التصانيف كواكبهم مثل: الحسن البصري، وسفيان الثوري، وطاووس ومن عاصرهم أو تقدم أو تأخر عنهم، أو انسحب على آثارهم من ذوي العلوم المتقنة، والأقوال المرجحة؛ وكذلك أئمة المحدثين، وأعلام الحفاظ، وحسبك أصحاب الكتب الصحاح. الشرق دارهم، وعنه امتدت أنهارهم، وانظر إلى تفاوت درجة الرواة بين أهل القطرين تعرف ما بين الأوج والحضيض، وتعلم أيهما الصحيح والمهيض. وكفى المشارقة فخرا اتصال نسبهم القريب بالنبي ﷺ في الرواية.
وهل اطلع الغرب: مثل ما اطلع الشرق من السادات الأولياء أقطاب الأرض من مشايخ الطريق وأئمة التحقيق (١) مثل: عبد الله بن المبارك، وعتبة الغلام، وأبي القاسم الجنيد، وأبي يزيد البسطامي، وأبي الحسن النوري، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، وسري السقطي، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سعيد بن الجلاء. ومن كان قبلهم أو معهم أو جاء بعدهم من أهل هذا النمط.
وتأمل رسالة القشيري (٢)، وحلية الأولياء (٣) لأبي نعيم، وتاريخ السلمي (٤)، والمعارف (٥) للسهروردي، وما في معناها، هل تجد للغرب مثل ما سبق الشرق بإدراك فضله وتحليه به من أهله أهله؛ على أن لكل أرض أقطابا عليهم مدارها، ولكنهم بالشرق أشهر، ومع مكاثرة أنوار النبوة بها أظهر، وأي القطرين أقدم إسلاما، وأقوم أعلاما، وأكثر أولادا كراما، وآثر مآثر باقية وأياما، وأيهما بادر إلى تلقي راية الفصاحة، وتلقن آية السماحة.
وهل وصل إلى الغرب من السؤود إلا ما فضل عن الشرق، أو لبس إلا ما أعاره من الخليع المبتذل لما دخل إليه عبد الرحمن الداخل من بني مروان إلى جزيرة الأندلس واجتمع إليه من شذاذ القوم من لفظتهم مزاود المشارق، ولفظتهم أسرة الملك،
(١) سترد تراجمهم في الآتي. (٢) وهي الرسالة القشيرية في علم التصوف، لعبد الكريم بن هوازن القشيري (ت ٤٦٥ هـ) وقد طبعت عدة مرات. (٣) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم، أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) وقد طبع عدة مرات أيضا. (٤) وهو طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي (ت ٤١٢ هـ) طبع بتحقيق نور الدين شريبة، ط حلب ١٩٥٣. (٥) وهو عوارف المعارف لشهاب الدين، أبي حفص، عمر السهروردي (ت ٦٣٢ هـ) طبع بتحقيق: د. عبد الحليم محمود ود. محمود بن الشريف، ط دار المعارف بمصر ١٩٩٣، ٢٠٠٠.