سليمان ﵇ إذ ألقي الجسد على كرسيه.
وقد قال ابن سعيد: إن السلطان من بلغ جيشه عشرة آلاف، فأين هو ممن بلغ ستمائة ألف؟، ولكنه تكلَّم على أعظم ما عنده مما رآه في بلاده، ولو تخطَّى خطى إلى المشرق، لما قال هذا المقال، ولا ضرب عن ضرب مثل هذا المثال.
ومن الشرق الأنوار تفيض، وفي الغرب تفيض فالشمس لا تصل إلى الغرب إلا وقد ضعف فعلها، وقلَّ تأثيرها، فلا يقابلها أهل المغرب إلا منكبة على أفقها، مولية هرمة، وشتان ما بين الحالين، على أدبارها؛ فهي في الشرق فتية، وهي في الغرب هرمة، وشتان ما بين الحالين، وبون كثير بين الجانبين؛ فلهذا لا يقاس أهل الغرب بأهل الشرق في حسن الصور، وبهجة المرأى، ويكفيك النظر إلى الوجوه والشمائل.
وحسبنا حكاية حكاها ابن سعيد في المغرب، قال: إن تاجرًا من أغنياء العجم سمع بسلطنة بني عبد المؤمن، فانتخب بالمشرق ظرفًا تليق أن تُهدى إلى الملوك، وكتب الله سلامته حتى وصل إلى مراكش، وبها حينئذ العادل ابن المنصور، وهو يُخطب له بالخلافة، فقدّم له تلك الهدايا، وفي جملتها مملوك تركي زعم أن قيمته عليه عشرون ألف درهم مغربية، فلم يقبله العادل، ولا وجد من يبتاعه منه، وصار إذا مشى به تعجب الناس من زيه، وذهلوا في صورته التي لم يعتادوها؛ فبلغ ذلك قاضي القضاة، وكان صاحب ناموس مغربي، فأمره أن يغير زيه بالزي المغربي، فقال ابن حوط كاتب العادل فيه: [من الخفيف]
بِأَبِي شَادِنٌ مَنِ التُّرْكِ أَبْدَى … زِيَّهُ زَهْرَةً حَوَتْهَا كَمَامَةْ
مَيَّزُوا رِدْفَهُ فَأَبْدَوْا جِبَالًا … حِينَ سَارَتْ فَقَامَتْ عَلَيْنَا الْقِيَامَةْ
فلما لبس الزي المغربي، قال أبو الربيع الداني: [من البسيط]
يَا حَاكِمَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ … وَبَيْنَ جَائِرٍ حَكَمَ أَنْتَ مَظْهَرُهُ
غَيَّرْتَ زِيًّا لِظَبْيٍ التُّرْكِ ذَا بِدَعٍ … يَسْبِي نَوَاظِرَ أَهْلِ اللُّطْفِ مَنْظَرُهُ
قَدْ كَانَ مَيَّزَ مِنْهُ كُلَّ جَارِحَةٍ … بِشَكْلِهِ يَقْرَأُ التَّفْسِيرَ مُبْصِرُهُ
حَجَبْتَهُ عَنْ أَعْيُنِ الْعُشَّاقِ إِنْ قَدَرَتْ … قَسَاوَةٌ مِنْكَ دُونَ النَّاسِ تَهْجُرُهُ
وفيه قيلت هذه الأبيات مرادفة: [من مجزوء الخفيف]
فِتْنَةُ التُّرْكِ قَدْ أَتَتْ … مِنْ بِلادِ الْمَشَارِقِ
أَيُّ شَخْصٍ بَدَالَهُ … دِينَهُ لَمْ يُفَارِقْ
إِنْ أَحْداقَنَا بِهِ … أَبَدًا فِي حَدَائِقِ