للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ديوانه، ويفترض لهم إحسانه سوى من ينضم إليهم، وينتظم من أجناس الأمم فيهم، وما بالعهد من قدم، ولا بآثارها خفاء؛ ولقد كانا على الإسلام السور المنيع، والحجاب المسبل.

وقد حكى لي الملك الكامل محمد بن السعيد عبد الملك (١): أن السلطان الملك العادل أبا بكر بن أيوب كان يقوم بالليل فيتوضأ ويصلي ويدعو الله، ويقول في دعائه: اللهم انصر عبدك محمدًا، وأيده وظفره بأعدائه ومكن سيوفه من أعناقهم ومقاتلهم، وما هذا معناه؛ فلما تكرّر هذا منه، قالت له أم ولده الصالح إسماعيل: مسكين إسماعيل - عن ابنها - فقال لها: كيف؟ فقالت: لأنك ما تدعو إلا لولدك الكبير. تعتقد أنه يدعو للملك الكامل أبي المعالي محمد، فقال: ما أقلَّ عقلكِ، أبالله في ظَنِّكِ أنني أدعو لابني محمد، فقالت: نعم وإلا فَلِمَنْ؟! فقال: لا والله، لا والله أنا ما أدعو إلا للسلطان جلال الدين محمد خوارزم شاه؛ فإنه السد بيننا وبين التتار، وهو الستر الجميل على الإسلام، فوالله ما بيننا وبين رواج البلاد من أيدينا إلا أن ينكسر، وإلا فما دام قائمًا نحن بخير، نحن بخير يكررها، فلهذا أدعو له آناء الليل والنهار.

قلت: ولقد صدق الملك العادل في قوله، فهكذا كان وما زال حمى الخلافة مصونًا والبلاد محمية الأطراف متماسكة القوى حتى مات السلطان علاء الدين تكش، ثم ابنه السلطان جلال الدين محمد - رحمهما الله - فمالت التتار على الآفاق وطمى سيلهم على الأرض فانتهكت حرمة الإسلام، وأخذت دار السلام، وانهرت أوداج الأرض بالدماء، وسبّيت الكرائم، وترامت الهاشميات إلى دجلة، وقتل الخليفة وتشوهت الخليقة، وماج الثقلان، وكان ما كان. فرحم الله الملوك الخوارزمية، لقد جاهدوا في الله حق جهاده، وقاوموا التتار مدة سنين إلى أن علا السيل الرُّبى، وبلغ الحزام الظبيين، ولو شاء ربُّكَ ما فعلوه؛ فهل في الغرب من بلغ سلطانه هذا المبلغ، وعظم في الملك شأنه إلى هذا الحد؟، وهل فاض الملك من الشرق على الغرب؟، أم من الغرب على الشرق؟ قُلْ وانصِفْ أيها المسؤول، ولا تقل عن المستنصر الفاطمي لما خطب له ببغداد؛ فتلك سِتة وظلمة كان سببها أرسلان البساسيري؛ لعداوة ابن رئيس الرؤساء، ثم عاد الحق إلى أهله بيد بني سلجوق، وقام القائم في مقامه، وقال المعاند في حر انتقامه، ولم تكن تلك العارضة إلا شبيهة بقضية


(١) الملك الكامل: محمد بن السعيد عبد الملك بن اسماعيل بن العادل بن أيوب (ت ٧٢٧ هـ).
ترجمته في: ترويح القلوب ٥٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>