بالمزارات والمشاهد - إلى غير ذلك مما ذكره - فصحيح، وإنما الكثير الغالب قسم الشرق في المحاسن، ومن نظر بعين التحقيق إلى الحيوان والنبات والمعادن، وعد ورجح الأكثر علم أنّ حظّ الشرق أوفر.
وأما قول ابن سعيد: إنّ أسباب الرياسة والرفاهية في المشرق جَبَارِيَّةً غالية، ومرافق المغرب أرخص وأقرب مرامًا، فحسبنا منه هذا القول؛ فإنّ المعالي غير رخيصة، ولا يخفى على ذي عقل سليم وفكر صحيح، أنّ المدح الصريح للشرق فيما ذكره ابن سعيد. وقد كفانا الرجل بقوله هم البحث معه ومناقضته فإنه فرق بين من يلبس الحرير، والسمور، والفنك، ويركب جياد الخيل، ويقتني الغلمان الأتراك، ويأكل لحم الضأن، والدجاج، والأوز، والحَلْوَاء، ويتخذ الطهاة لأنواع المآكل [ويفخر بعضهم على بعض بكثرة الإنفاق، ولا يقنع في شيء بالقليل، وبين من يقضي أوقاته بضد ذلك. ويدخن بالعنبر واليلنجوج، ويتطيب بالمسك، ويدّهن بالغالِية. جل ملابسه الصوف والقطن، وأطيب ما كله العجين، والزيت، والسمن، وأكثر ما يفتخر الرجل منهم إذا كانت له فرس واحدة أو اقتنى عبدًا زنجيًا أو علجًا فرنجيًا، فإن دخن كان باللادن، وإن تطيب كان بالغسول، وأدهن كان بالزيت، لا يتنافسون في فخار، ولا يحصلون من دنياهم على طائل].
ويفتخر بعضهم على بعض بكثرة الإنفاق، ولا يقنع في شيء بالقليل، وبين من يقضي أوقاته بضد ذلك جل ملابسه.
وأما قوله: والمشارقة لهم التظاهر بأمور الرفاهية في مراكبهم ومجالسهم فإذا دخلت منازلهم تعجبت من تفاوت بواطنهم عن ظواهرهم بضد المغاربة فهذا كلام باطل منقوض؛ فإن المشارقة لهم في بيوتهم من الفرش الغالية، والخدم والقيان والمطربات، وغير ذلك من أنواع الرفاهية ما لا هو لأهل المغرب، بل ولا تسمح نفوس ملوكهم في هذا بما تسمح به نفوس آحاد من أنعم الله عليه من المشارقة من السوقة وعوام الناس. ولعل خرج توظيف الوظائف، وترتيب طبقات الخدم إلا من المشرق كالطشتخاناة، والفراش خاناة، والشراب خاناة، وسوى ذلك، فهل للمغاربة هذا التوظيف في باطن أمر أو ظاهره؟ ويا ليت شعري هل صنف كتاب الأغاني في بواطن أحوال المشارقة أو المغاربة، وكله بل غالبه وصف أحوال المشارقة في مجالس أنسهم، وأوقات خلواتهم بالمطربين والمطربات والجواري الحسان المثمنات، وتفريق الجوائز والصلات؛ فهل للمغاربة شيء من ذلك؟ وإن كان لبعض ملوكهم تَلَذُّذ فلعله لا يبلغ ما لبعض سوقة المشارقة.