وأما قوله: الأغلب على المشارقة التغاضي، وترك الحقد، وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال، ولكن تحت ذلك من المسامحة في القول، والإخلاف للوعد وقلة المبالاة والارتباط ونبذ الحقوق، ومراعاة الآداب الإنسانية ما يقطع النفس حسرات، فأول هذا القول صحيح لا شك فيه، إنَّ عندهم التغاضي وترك الحقد وقلة المؤاخذة، وهذا دليل على رزانة حلومهم، وكرم شيمهم، ومؤاخذة الآباء للأبناء بحسن التخلّق بأخلاق الكرماء، والتأدب بآداب الآباء والعظماء حتى صار هذا طبعًا لهم يتوارثه منهم خلف عن سلف.
وأما آخر هذا الكلام، فهو غير مُسلّم، والدليل عليه سير الخلفاء والملوك في الأفقين.
وما يعجبني من حسن وفاء المغاربة إلا ما فعله يوسف بن تاشفين - ملك المغرب وبر العدوة - مع بني عبّاد ملوك الأندلس؛ فإنهم أدخلوه إلى بلادهم وبذلوا له الطاعة وقدموا له نفائس الأموال وأخدموه البنين والبنات، فكافأهم بانتزاع الملك، وأخذ ابن عباد وأهله الأخذة الرابية، وقيده بالحديد، وغلّه وسلسله وحمله هو وأهله في الفلك إلى أن سجنه بأغمات، ورمى أهله بالتفرق والشتات، ولم يجر عليه وهو في حبسه ولا رغيفًا واحدًا من الخبز، حتى كنَّ بناته يغزلن للناس بالأجرة، ويطعمن آباءهم.
ودخل إليه بعض بناته في يوم مطير ذا لثق ووحل، وهي حافية القدم؛ لعدم قدرتها على مشتري حذاء فبكى على حاله، وقال في ذلك الأشعار المشهورة، والأقوال المذكورة، وأدى حال بعض بنيه - بعد الملك الضخم - إلى أن صار أجير صانع يعمل بالأجرة.
ولابن اللبانة شاعره في وصف حاله، وحال أولاده ما يبكي السامع، ويحزن الفرح المسرور؛ فهذا من وفاء المغاربة. وعليه فقس بقية الأمور.
وأما قوله: ولهم من القيام والبشاشة في السلام ما يطول ذكره فصحيح، وهو مما تقدم القول فيه من مكارم الأخلاق وحسن التخلق مع الناس، وللناس الظاهر، ولله متولي السرائر، والله القائل:[من البسيط]