والحديث مثل: مكة، والمدينة، وبابل من الشرق، ومصر من الغرب، ومكة والمدينة والشام من الشرق، وذلك كثير.
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع مدائن من الجنة: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، ودمشق، وأربع مدائن من النار: رومية، وقسطنطينية، وأنطاكية، وصنعاء».
وقد قال أدريس: يعني أنطاكية المحرقة.
وقال أبو عبد الله السقطي: إن المراد صنعاء بأرض الروم، وليست التي باليمن.
قال ابن سعيد: فخرج من هذا الحديث أن ليس بالمغرب مدينة من هذه المدن التي هي من أهل الجنة، كما أن لهم الفخر أيضا بأن أنهار الجنة على ما جاء في الحديث: الفرات، وسيحان، وجيحان، والنيل، وليس منها في المغرب إلا واحد وهو النيل.
قلت: فانظر إلى ابن سعيد مع فرط نصبه للمغرب وأهله ما قدر أن يدعي أن من المغرب أشرف البقاع ولا مدن الجنة؛ فلما ذكر الأنهار الأربعة قال: وليس منها في المغرب إلا واحد وهو النيل، فما تجاوز مصر في الدعوى على كثرة ما نظر في لوح الرسم المصور، وطالع الكتب الموضوعة عليه والمقالات المتفرعة فيه، ولكنه ما تحلى بما ليس له كلابس ثوب زور، ولا ادعى دعوى يفضحه فيها الحق، وهذا منه غاية الإنصاف والإذعان للحق وأهله، ولو وجد سبيلا بحق إلى سوى هذا لقاله؛ فإذا لم يدع هذا للمغرب مغربي لا يدعيه له مشرقي.
ثم قال ابن سعيد - نقلا عن البيهقي -: إن حد المغرب من الجهة التي ذكرها بطليموس في أن الله تعالى قسم الأرض نصفين: بحر جدة، وخليج القسطنطينية على أن يجعل الديار المصرية أول الغرب.
وكل هذا يؤيد بعضه بعضا في إثبات الفخار للمشرق لاشتماله على أشرف البقاع ومدن الجنة، وأجل الأقاليم العرفية كالشام، والعراقين، وأذربيجان وخراسان إلى نهاية المشرق.
وكلام ابن سعيد كله لمن تأمله إثبات لفضل المشرق وأهله على المغرب وأهله، وهو الحق الذي لا يمتري فيه.
وقد قال الرئيس أبو علي بن سينا: «المدن المشرقية صحيحة جيدة الهواء، تطلع على سكانها الشمس في أول النهار، وتصفي هواءهم، ثم تنصرف عنهم وقد تصفى،