للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالشرق من حسن السمرة، ونعومة الأجسام، واسترسال الشعر، والتئام مواطئ الأقدام، وبهجة المنظر، ورزانة العقل، وهكذا الفرق بين بقية الحيوان بالجهتين.

وأما النبات، فلا نزاع أن منابت الجزائر الشرقية، وما هو في معناها كلها فاضلة، كالعود الهندي، والصندل، والفلفل، والكباية، والإهليلجات والنارجيل والفواكه المستطابة، وليس هذا هكذا في الجانب الغربي.

وكذلك المعادن في الجهات الشرقية أفضل مما هي في الجهة الغربية؛ فإن قيل: معادن التبر بغانة في الغرب، قلنا: وسفالة التبر بالشرق، وهي كما نقله أصحاب هذا الشأن، أكثر مما في غانة مما لا يقاس، ويزيد بأرض الزنج فمنها ما يكون ترابه حيث أوقدت به النار فضة خالصة لوقتها من غير ريث.

وقد ذكرنا من هذا في أوائل هذا الكتاب عند ذكر تقسيم الأقاليم ما فيه كفاية، وبجميع ما ذكرناه للشرق على الغرب الفضل بلا نزاع، وبه القول الفصل بلا دفاع، فكان موقع البحر بالشرق زيادة فيه، وموقع البحر بالغرب نقصًا له.

وأهل المغرب أحسن رقمًا لديباجة الألفاظ، وأهل المشرق أحكم لقواعد المعاني؛ لأن الغالب على أهل المغرب العربية وما هو منها من النظم والنثر، والغالب على أهل المشرق المعقولات وما هو منها، وإن كان في المشارقة من لا يُقصّر في غاية، وفي من مضى منهم أكثر أفرادًا كبشّار، ومسلم بن الوليد، وأبي نواس، وأبي عبادة، وعلي بن الرومي، وابن المعتز، والمتنبي، ومن هم بهذا النمط العالي والسمط الغالي سوى القدماء؛ ولكن لأهل الأندلس لطائف دقت عن تلك الأفهام، ورقت عن مزاح ذلك الكلام، وإن كان من المشرق أصل ما عندهم من الأدب: [من البسيط]

ففِي السُّلَافَةِ مَغْنَىً لَيْسَ فِي العِنَبِ

فلقد لطفوا مسالك الأدب، وأفادوا شرف الحضارة محاسن الغرب، وقلبوا الأعيان، وسحروا الألباب بالبيان، فجاؤوا بأعجب العجب، وزادوا بحسن السبك خالص الذهب، وإن كان الشرق قد أنتج من طبقة أهل الأندلس من لا تحجم به المفاخر ولا تحجب به المفاخر؛ ولكن للأندلسيين لطائف أعلق بالقلوب وأدخل على النفوس في كل أسلوب.

وأما العلوم العقلية، كالطبيعي، والرياضي، والإلهي، فلا نزاع في تقدم أهل المشرق فيها، وإن كان قد نشأ له بالغرب أناس، وبرقت له في الأندلس على عهد الحكم بن هشام لامعة، فالشرق فيه لا يكابر ولا يكاثر، ولا يناضل، ولا يناظر.

<<  <  ج: ص:  >  >>