وقد تقدم في الفصل الخطابي الأول في هذا الباب ما إن قيل إنه خطابي، فهو الحق الذي لا يُجْحَد، والصحيح الذي لا يَكْذِب.
قال ابن سعيد: وأما المتنزهات التي تقع المناظرة فيها بين الشرق والمغرب؛ فإِنَّا نبني الكلام فيها على ما ورد في الكتب من أن المتنزهات المشهورة بالحسن والتقديم على سواها أربعة، وهي: غوطة دمشق بالشام، والأبلة بالعراق، وشعب بوان بأرض فارس، وصغد سمرقند وراء النهر.
وقد ذكر أبو بكر الخوارزمي: أنه رأى جميعها، فكان فضل غوطة دمشق عليها كفضل سائرها على متنزهات العالم.
وجميع هذه الأماكن الأربعة قد أطنب في ذكرها البيهقي، وعظمها على غيرها.
وقد رأيت غوطة دمشق، وتقدم أنها أفضلها فبنى الحكم عليها والتي تشبه بها من أماكن المغرب غرناطة، فنتكلم في المدينتين - ظاهرًا وباطنًا - كلامًا موجزًا يحتمله هذا الموضع، وكلاهما قد أبصرته وحررت المناظرة بينهما.
أما مَسْوَرٌ بَمَسْوَرٍ؛ فإنَّ غرناطة أحسن من جهة أنَّ سُورَها غير كدر اللون كسور دمشق، تنبو عنه العين.
ومن جهة أن المدينة موضوعة على جبل ممتد سهل الأعلى بحيث تمهدت فيه الشوارع، وترتبت الأسواق، وقسمه النهر المعروف بنهر الذهب، وعليه قناطر يعبر الناس عليها، وهواؤها - من أجل ارتفاعها - أطيب وأصح، ولها زيادة أنها في وسط الإقليم الرابع المعتدل، ودمشق في الثالث، ولها كونها مكشوفة من جهة الشمال لا جبل يفصل بينها وبين هبوب النسيم الرطب، ولها في الجنوب جبل الثلج يهبّ منه في الصيف نسيم يتنسم منه رَوْح الحياة، وهو الذي روق أمزجة أهلها وأكسبهم الألوان البديعة من امتزاج الحمرة بالبياض التي تخجل ورد الرياض، وتزيد عليها بأنّ المياه لا تنقطع منها صيفًا ولا شتاء؛ لأنّ الأنهار تشقها وتدير الأرجاء في داخل السور، ودمشق مجموعة من الشمال، منخفضة إذا انقطع عنها الماء المجلوب لها في القنوات، بقيت جيفة، وتزيد عليها غرناطة بكثرة الأنهار؛ فإن أنهار دمشق سبعة، وأنهار غرناطة التي تنصب إليها من جبل الثلج أكثر من ذلك، وإن أنهار غرناطة تنصب من الجبل على رؤوسها في صخور يحسن بتقطيعها عليها، وجريتها ما بين الجنادل والحصى، وأنهار دمشق تأتي بين دِمَنِ البساتين في أرض سهلة رخوة، فيثقل ماؤها ويحدث منه من الوخامة ما هو مشهور.