فلو كانت الدُّنْيَا مثالًا لطائر … لَكان لَكُمْ منها بِمَا حُزْتُم الذَّنبْ
قال ابن سعيد: وأنا أستحسن هذا البيت؛ فإنه وقع في موضعه؛ لكون البلاد التي كانت بيد القائم في ذلك الزمان من الأرض بمنزلة ذنب الطائر؛ لكونها في آخر المعمور، وكونها رقيقة ضيقة العرض في المساحة قد خنقتها البحر من جهة الشمال، والصحراء من جهة الجنوب.
وهذا البيت هو الذي حَرَّكَ هِمَّة القائم، وقال: والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت وإلا أهلك دونه؛ فكابد على الديار المصرية من الحروب أهوالًا، ومات ولم يظفر بحضرتها، وإن كان قد عاش في أطرافها برًّا وبحرًا على ما هو مذكور في التواريخ.
وأوصى ابنه المنصور بما كان في عزمه فشغلته الفتن التي دهمته في إفريقية، فكان الظافر بالديار المصرية المعزٌّ بن المنصور بن القائم، وتوالت عليها خلفاؤهم، وخُطِب لهم باليمن والحجاز والشام والجزيرة والعراق، وخُطِب لمستنصرهم الذي حاز في الخلافة ستين سنة في حضرة الإمامة بغداد، وخُطِب للنزارية الإسماعيلية منهم ببلاد العجم.
قال ابن سعيد: وهم إلى الآن في بلد ألموت، ولهم يخطب هؤلاء الإسماعيلية الذين في قلاع الشام، وكان حديثهم المترتب على ذلك البيت من عجائب الدنيا.
ولم تزل إمامتهم التي كانت قد رسخت في الأرض ودوّخت الملوك إلا السلطان الأعظم الناصر صَلاحُ الدين بن أيوب - رحمة الله عليه - وملأ البلاد التي كانت بأيديهم بالخطب العباسية.
[قلت: لقد مرّت به ليال طوال من حذر لإسماعيلية، وخوف ما يتوقاه بهم من غوائل البلية، ثم ما زال منذ ظَهَرَ مصر من تلك الأدناس، ونظفها من وسخ أولئك الناس حتى انقاد معها له ما وراءها، وتبعها ما خلفها] وأعاد إليها طلاوة الدين، ورونق الإيمان. على أننا لا ننكر لأواخر تلك الدولة المصرية فضلًا سلف إلى سلفنا، وقد ورد إليهم من المدينة الشريفة، فأكرموا وفادتهم، وأجزلوا صنائع الإحسان إليهم؛ ولكن الحق أحق أن يتبع، وما على قائل القول الصدق جناح، فرحم الله صلاح الدين، لقد أصلح الدين، وأصلى نار الكمد قلوب المعتدين.
قال ابن سعيد أيضًا: ومما يتكلم فيه من أحكام المناظرة بين المشارقة والمغاربة النبوة، وهذا الفخر سَلَّم للمشرق.