منهم إلى أن استولى عبد المؤمن عليها، فتوالت بها ولاته وولاته بنيه. وكان يحيى بن غانية الميورقي الملثم يناكدهم فيها إلى أن صفت للسلطان الأعظم الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، وقد أضافت إليها همّته العلية وسعادته العلوية بلادًا من برقة، ومن الجزر البحرية، ومن الغرب الأوسط، ومن المغرب الأقصى، ومن الأندلس. وسرير ملكه كان تونس.
ويليها الغرب الأوسط، كان في صدر الإسلام قد اقتطعه بنو رستم، وكانوا خوارج ادعوا الخلافة، وكان قطب إمامتهم مدينة تيهرت، إلى أن أزال أمرهم الشيعي القائم بدعوة العبيديين. ومن أعظم من ملك سلطنتها جعفر بن علي الذي يمدحه ابن هانئ الأندلسي وكان سريره مدينة المسيلة.
قلت: [ومن قوله فيه: [من الكامل]
الْمُدْنِفَانِ مِنَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا … جِسْمِي وَطَرْفٌ بِابْلِيٌّ أَحْوَرُ
وَالْمُشْرِقَاتُ النَّيِّرَاتُ ثَلَاثَةٌ … الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ الْمُنِيْرُ وَجَعْفَرُ
ثم نعود إلى تتمة كلام ابن سعيد. قال ﵀:] ومَلَكَها بعد رحيل المعز العبيدي إلى مصر بنو حمّاد الصنهاجي، وتوارثوها، وكان سريرهم قلعة حمّاد المنسوبة إلى جدّهم، ثم صار مدينة بجاية.
ويليها سلطنة المغرب الأقصى، وهو المعروف ببر العدوة، وهذه الجهة أعظم جهات المغرب؛ لأنها ذات حواضر جليلة، وجبال مشمونة، وعرض وطول.
وكانت قد اجتمعت للأدارسة الذين خُطِب لهم بالخلافة، ثم اقتطع منها بنو مدرار مملكة سجلماسة، وحاكاهم غيرهم، فاختل عليهم نظامها، إلى أن صارت للعبيديين.
وكان بنو أمية - أصحاب الأندلس - ينازعونهم فيها، وصفت لأمير المؤمنين يوسف بن تاشفين، وكان سريره حضرة أغمات، فبنى حضرة مراكش، وانتقل إليها، وتداول عليها ولده إلى أن أخذها منهم عبد المؤمن الذي خُطِب له بالخلافة.
وأما بلاد السودان، فأعظمها عندهم من جهة قواعد السلطنة أرض الحبشة، وسمة سلطانهم النجاشي، وسريره مدينة جَرْمي.
وأرض علوة، وما ينضاف إليها سلطنة، وكذلك أرض النوبة. سريرها دنقلة.
وأرض الدمادم الذين خرجوا على أصناف السودان، فأهلكوا بلادهم، وهم يُشبهون بالترك، وكان خروج الفريقيّن في عصر واحد.