والله علي أن لا أعدل عن صراط الحق السوي، ولا أنكب عن قصد الإنصاف الأمم، ولا أدعي ذلك في الإفراد بل في الجملة، ولا في الجزء، بل في الكل، وبالله أسترشد، ومنه أسأل الإعانة.
ثم إني لا أقصر ما وجدت طلقًا ممتدًا إلا إذا خشيت أن أمل، ولا أطيل ما رأيت إيجازًا مغنيًا إلا إن خفت أن أضل.
وها أنا أقول: إن الذي يُعرف به التفاضل منحصر في الحيوان. والنبات والمعدن، وأشرف الحيوان الإنسان، وهو طبقات متفاوتة، أعلاها ذروة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ثم بعدهم أصحابهم، ثم الناس أشباه، وإن تفاوتت درجاتهم، وتباينت أقدارهم، لا يفضل فيهم إلا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والنفع بهم أعم من الأولياء.
فأما الأنبياء - صلوات الله عليهم - فقد تقدم ما فيه كفاية من تقرير شرف المشرق بهم، وشرف المغرب بسببهم؛ إذ كان بالشرق مواضعهم ميلادًا، ومباعثهم أحياءًا، ومدافنهم أمواتًا؛ إلا من كان بمصر، أو دخل إليها ممن ليس من أهلها، ثم خرج منها على ما بين فيما تقدم ببعض تفصيل فيه غنى.
وكذا الشأن في الصحابة الفائزين بفضل السابقة، وقد مضت في هذا لُمع وأَوْمَضَتْ أشعتها، ومضت وبقيت في الآذان سمعتها، ولو عُدلوا بنظير في المغرب، لذكرناهم، فإذا لم يكن، فلنضرب عن ذكرهم صفحًا، ولنكن لهم دون منبلج الليل صبحًا، اللهم إلا من لزم ذكره مع طائفة لم يكن من ذكره معدٌّ بد، ولا لسبيل هذا التصنيف عنه مردّ؛ [فإن انتصر للمغرب فقال: لا يلزم من عدم الإطلاع على أن من المغرب أنبياء، أنه لم يكن به أنبياء لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١) ومن المحقق أن الغرب لم يزل فيه أمة بعد أمة.
فالجواب: أنه ليس في الآية ما يدل على ذلك؛ لأنه - تعالى - قال:
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٢)، ولم يقل «منها» التي هي للتبعيض، ليكون النذير من أمة الغرب، كما هو في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) بـ «من» التي هي للتبعيض؛ وقد قرأ بعض القراء «من أنفسكم» بفتح الفاء فأفاد أنه منهم من أشرفهم، فاحتمل أن يكون النذير «فيها» وليس «منها»، ويبقى أن يكون النذير الذي فيها.
(١) سورة فاطر: الآية ٢٤. (٢) سورة فاطر: الآية ٢٤. (٣) سورة التوبة: الآية ١٢٨.