للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

«منها» موقوفًا على النقل، ولم نعلمه فهذا أمر الأنبياء بالجانب الغربي].

وأما من بعدهم، فأعلاهم كعبأ القراء، ثم أهل الحديث الشريف، ثم الفقهاء، ثم أهل اللغة، ثم أهل النحو، ثم الفقراء، ثم أصحاب القلوب، ثم الحكماء، وهم أصحاب العلوم الثلاثة، والوزراء، والكتاب، والخطباء، والشعراء، والأذكياء، وعقلاء المجانين، والحمقى، والمغفلين.

وها أنا ذاكر لهم في كل قسمي المشرق والمغرب على هذا الترتيب، وأسوقهم زمرًا للدخول في هذا التبويب، وآتي بمشاهيرهم جاهلية وإسلامًا، وأمواتًا وأحياءًا إلى عصرنا الذي شرعت شمسه تجنح، وأن لبحر الليل على نهر نهاره أن يطفح، وحان للثور الحامل للدنيا أن يلقى قرنه، ولإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور أن يلقم قرنه، وللجديدين أن يخلق ثوباهما، وللخافقين أن يلتقي جانباها، وللأفق أن ينزع سواره من معصمه، وللشفق أن ينضح بماء الصباح ما تلطّخ به ثوبه من دمه.

ولقد كان لي بانتظار الأجل القريب شغل عن زخرف القول الذي فيه تعليل لباطله، وتشقيق الكلام الذي فيه تعليق اللسان بحبائله؛ بل للهم فيما أثبته ذكرى بمصارع الأموات، وبمواقع الصائد المجد في مصائد المنون، وقد ظنّ أنه قد سبق به الفوات، وإذ قد عرضت عرضي بهذا التأليف هدفًا لسهام الألسنة الراشقة، وذريئة لرماح الطعن الماشقة، وسمحت به طرفة لكل خاطف، وثمرة لكل قاطف، ينهبه كل ناهب، ويذهب به كل ذاهب، وأقدمت على هذا النبأ العظيم، ورغبت في هذا الكلأ الوخيم، وحجمت على هذا الملأ الذي لا أكاد أثبت منه معرفة واحد من أمة، ولا أميز صفة ذا غرة من دهمه، واقتحمت هذا البحر وأنا أعرف خطره، ودخلت هذا البر وأنا أجهل خبره. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)(١).

فها قد رهنت بما قلت كلامي، وحاللت بما قالوا لوامي، وركبت الغمرة وأنا لا أعرف أسبح، وسريت الليل وأنا لا أدري فجره أين أصبح؟!.

على أنني أرغب إلى من أعاره أدنى تأمل، أن يكشفه ليتبين أتيت صوابًا أم خطأ، وأصالة أم خطلًا.

فوالله ما قصرت جهد المقدرة، ولا فعلت إلا فوق الطاقة إن قُبِلَ مني المعذرة.

وقد دخل في ذيل الحكماء أرباب الكلام وأصحاب الموسيقى، واشتمل ثوب.


(١) سورة ص: الآية ٦٧، ٦٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>