للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان إذا رأى رجلًا يلح بالنظر إلى الأحداث، قال له: اقرأ ما على هذا الخاتم، فينتهي عن ذلك. ومن شعره أيضًا (١): [من الطويل]

حَمَلْتُ جبال الحُبِّ فيكَ وإنَّني … لأعجِزُ عَنْ حَمْلِ القَمِيصِ وأَضْعُفُ

وما الحبُّ مِنْ حُسن ولا مِنْ سماجةٍ … ولكنه شيء بهِ الرُّوحِ تَكْلَفُ

ومنه قوله في حبيبه محمد بن زُخرف (٢): [من البسيط]

يا يوسف الحسن تمثيلًا وتشبيهًا يا … طلعةً ليس إلا البدر يحكيها

مَنْ شكَ في الحُورِ فلينظر إليك فما … صِيغَتْ معانيك إلا من معانيها

ما للبدور و للتجذيف يا أملي … نور البدورِ عَنِ التجذيفِ يُغنيها

إنَّ الدنانير لا تُجلى وإنْ عَتُقَتْ … ولا تُزاد على النقش الذي فيها

قال الخطيب (٣): كان ابن داود يميل إلى محمد بن جامع، وبسببه عمل كتاب الزهرة، وقيل: إن محمد بن جامع دخل الحمام وأصلح من وجهه، وأخذ المرآة، فنظر إلى وجهه، فغطاه، وركب إلى محمد بن داود فلما رآه مغطى الوجه خاف أن يكون لحقته آفةٌ، فقال: ما الخبر، فقال: رأيت وجهي الساعة في المرآة، فغطيته وأحببت أن لا يراه أحد قبلك، فغشي على محمد بن داود. وكان محمد بن جامع ينفق على محمد بن داود، وما عرف فيما مضى من الزمان معشوق ينفق على عاشق إلا هو، وقيل: إن النفقة كانت في كل يوم عشرين دينارًا.

وذكر ياقوت الحموي (٤) في ترجمة نفطويه زيادة غريبة، وهي أنه قال: دخلت على ابن داود، وذكر القصة التي تقدمت والحديث، قال نفطويه: ثم غشي عليه ساعة وأفاق، ففتح عينيه، فقلت له: أرى قلقك قد سكن، وعرق جبينك قد انقطع، وهذه إمارة العافية، فأنشد يقول (٥): [من الوافر]

أقولُ لصاحبي وسَلَيَاني … وغَرَّهُما سكونُ حُمَى جبيني

تسلّو بالتعزّى عَنْ أخيكم … وخُوضوا في الدعاء وودعوني

فَلَمْ أدع الأنين لضَعْفِ سُقْمٍ … ولكنّي ضعفتُ عَنِ الأنين

ثم مات من ليلته، فيقال إن نفطويه انفجع عليه، وجزع جزعًا شديدًا، ولم


(١) أخل به ديوانه.
(٢) أخل به ديوانه.
(٣) تاريخ بغداد ٥/ ٢٦٠.
(٤) معجم الأدباء ١/ ٣٠٩.
(٥) دوانه ص ٨٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>