للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يجلس للناس سنةً كاملةً، ثم ظهر بعد السنة فجلس، فقيل له في ذلك، فقال: إن أبا بكر بن داود قال لي يومًا، وقد تجارينا حفظ عهود الأصدقاء، فقال: أقل ما يجب للصديق أن يحزن على صديقه عملًا بقول لبيد: [الطويل]

إلى الحولِ ثُمَّ اسم السلام عليكما … ومَنْ يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعتذر

فحزنا عليه سنة كما شرط.

وذكر ابن السمعاني: أنَّ ابن جامع معشوق ابن داود قال: دخلت على المتقي بالله أمير المؤمنين، فسألني عن أبي بكر بن داود هل رأيت منه ما تكره؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين إلا أني بت عنده ليلة، فكان يكشف عن وجهي، ثم يقول: اللهم إنك تعلم أني لأحبه، وإني لأراقبك فيه. قال: فما بلغ من رعايتك من حقه؟ قلت:

دخلت الحمام فلما خرجت نظرت إلى المرآة، فاستحسنت صورتي فوق ما أعهد، فغطيت وجهي وآليت أن لا ينظر إلى وجهي أحد قبله، وبادرت إليه فكشف وجهي ففرح وسر، وقال: سبحان خالقه ومصوّره، وتلا ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (١).

وذكر ابن النجار: أنَّ ابن سريج كانت له جارية توقظه بالليل للمطالعة، فلما مات ابن داود جاءت الجارية لتوقظه، فقال لها: ويلك الذي كنا نسهر لأجله قد مات.

وهذه نبذة يسيرة من كتاب «الزهرة» (٢).

أطال الله في العز الدائم بقاك، وصان عن غير الأيام نُعماك، وجعلني غرضًا للنوائب بدلك، وقدمني إلى ورود الحمام قبلك.

أما بعد: أدام الله الرغبة إليك، وجعل متعمد أوليائك عند المهمات عليك، فإني وإن بخل علي الزمان بوفائك، ونافستني الأيام فيما أعتصم به من جميل إخائك، لمنطو من المودة لك، والثقة بك، والرعاية لحقك، والأنس بقربك، على حال تفنى الأوصاف دون فنائها، وتنقضي الآجال قبل انقضائها، ولن يعدل بي شكوى ما شكوت وجوده من تواتر جفائك، وألمتُ لفقده من صحة وفائك، عن المسارعة إلى طاعتك، والوقوف عند محبتك، فإنَّ من حسن وداده، قبح استفساره، ومن صحت مودّته وجبت طاعته، ولست أفعل ذلك.

قدّمني الله قبلك وفاءً لك بدلًا من وفائك، ولا مجازاة لك على عدلك


(١) سورة آل عمران: الآية ٦.
(٢) كتاب الزهرة ١/ ٣٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>