للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإحسانك، ولا ملتمسا به الذريعة إليك، ولا متفضلا به عليك؛ لأن من دعاه العدل إلى الوفاء لصاحبه وفاه، ودعاه إلى الغدر جفاه، ومن دعاه العدل إلى الإنصاف دعاه الجور إلى الانتصاف، ومن دعاه إلى فعل المكرمات رغبة في المجازاة دعاه إلى تركها ظفره بأمنيته، أو يأسه من لحاق طلبته.

وكيف يكون متفضلا عليك من ليست له فضيلة إلا وهي مردودة إليك، ولئن حرمت العلم بفضلك علي مع ما حرمت من رغبتك في وميلك إلي، لقد حرمت حظا جزيلا وخيرا كثيرا، ولكن السبب الباعث لي على طاعتك، والمذلل لي عند سطوتك، والباسط إلي العذر فيما تجنيه، والمعدل لك علي فيما تدعيه، سبب يلطف عن أن يعاين بالأبصار، ويدق عن أن يدرك بالفحص والاعتبار، إن رمت إخفاءه وجد، وإن حاولت إظهاره فقد، فهو شيء منعني عن وصف جنسه، اشتغالي به في نفسه، وتقطعني مسامرته عن المسامرة، ويعوقني التفرد بمغازلته، عن التعرض بصفاته كما قال بعض أهل هذا العصر: [من البسيط]

ينسى الهوى وصفه من حل ذروته … كالأرض يشغل عنها من ثوى فيها

لا أقول شيئا وقع لي اضطرارا، فأقر بأني لم أكن مختارا، ولا أقول: أوسعته لنفسي اكتسابا، فأكون إذ نفيته عن نفسي كذابا، لا أزهد فيه فأرغب في سواه، ولا يفارقني فأتمناه، محله من الروح محل الروح من الجسد، لا يدري الجسد ما الروح فيسر إذ جعل وعاه، ويحزن إذ لم يستودع سواه، وقد وقفت على ما وقفت من تصاريف الزمان وخيانة الإخوان.

واعلم - أيدك الله - أن من عجيب ما تحضره الأيام، وتجول به الأوهام ظالما يتظلم، وغائبا يتندم، ومطاعا يستظهر، وغالبا يستنصر.

ما الذي تنكر - أدام الله عزك، وبسط بالخير يدك - من تغير الزمان، وأنت من أحد مغيريه، ومن جفاء الإخوان، وأنت المقدم فيه، أنت بأن تحتج له وتعتذر لفاعليه، أولى منك أن تعيبه، وتذم مستعمليه.

إلى أن قال (١):

من كثرت لحظاته، دامت حسراته.

العقل عند الهوى أسير، والشوق عليهما أمير.


(١) كتاب الزهرة ١/ ٤٢ - ٤٣، وهذه الجمل هي فهرس أبواب كتاب الزهرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>