للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

خَلِيليَّ فيما عِشتُما هَلْ رأيتُما … قتيلًا بَكى مِنْ حُبِّ قاتِلهِ قَبلي

فلو تَرَكتْ عَقْلي مَعِي ما طَلَبْتُها … ولكن طلابيها لِمَا فَاتَ مِنْ عَقْلي

قال أبو بكر (١): هذا المعنى في البيت الثاني داخل فيما عيناه من أن أقبل على من تهواه وما دام مفتقرًا إليه، فليست له في ذلك منة عليه.

قال أبو بكر (٢): أصل الهوى يتولد من النظر والسماع، ثم يقوى حالًا بعد حال، فإذا كان نظر الصاحي إلى الصورة التي يستحسنها طرفه مؤكدًا للمنظور إليه المحبّة في قلبه، كان نظرُ المُحب بعد تمكن المحبة من قلبه إلى الصورة التي كانت سببًا لوقوع المحبة أحرى أن يغلبه على لبه، ويزيده كربًا على كرب. ألا ترى أن من حُمَّ يومين متواليين كان ألمه في الثاني من اليومين إذا تساوى مقدار الحميين أصعب من ألمه في أول اليومين؟

وفي ذلك يقول غيلان بن عقبة (٣): [من الطويل]

خَلِيليَّ لمَا خِفتُ أَنْ تَستَفِزَّني … أحاديثُ نَفسي بِالهَوَى وَاهتِمامُها

تَداوَيتُ مِنْ مَيٍ بِتَكليمَة لَها … فَمَا زادَ إِلَّا ضَعْفَ نَفسي كَلامُها

وقال أيضًا: إِنَّ تقصير المحبوب عن مواصلة محبه وتراخيه عن إظهاره على كل ما في قلبه إنما يتولد عن وقوع الثقة به. فربما حمل المحبُّ على نفسه، فتوهم أن ذلك داخل في باب الخيانة والغدر، فكافأ عليه بالانحراف والهجر، فجنى على نفسه ما لا يتلافاه العذر. ولا يقاومه الصبر. والحازم من صبر على مضاضة التدلُّل، والتمس العز في استعمال التذلل فحينئذ يتمكن من وداد محبوبه ويظفر ممن يهواه بمطلوبه.

قال الحسن بن هاني (٤): [من المديد]

يا كَثِيرَ النَّوحِ في الدِّمَنِ … لا عَلَيهَا بَلْ عَلَى السَّكَنِ

سُنَّةُ العُشاقِ واحِدةٌ … فإِذا أَحببتَ فاستكنِ

وقال عمر بن أبي ربيعة (٥): [من الخفيف]

لستُ من ظالمتي مُنتصِفًا … فَبَحَ اللهُ مُحبًا ينتصف


(١) الزهرة ١/ ٧١.
(٢) الزهرة ١/ ٧١.
(٣) من قصيدة قوامها ٢٣ بيتًا في ديوان ذي الرمة ٥٢٤ - ٥٢٧.
(٤) ديوان أبي نؤاس ص ٦٤٥.
(٥) الزهرة ١/ ١٠١، وقد أخل بها ديوان عمر بن أبي ربيعة.

<<  <  ج: ص:  >  >>