للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الهجر الذي يوجبه البغض الطبيعي، فهو الذي لا دواء له.

قال ابن داود (١): حدثتني مريم الأسدية قالت سمعت امرأةً عُقيلية تقول وهي على بعير لها تسير: [من الوافر]

سُقينا سلوةً فَسَلا كلانا … أزال الله نعمةَ مَنْ سَقَانا

قالت مريم: فسألتها عن هواها، فقالت: كنت أهوى ابن عم لي، ففطن لي بعض أهل الحي، فسقوني وإياه شيئًا، فسلا كُلُّ واحدٍ منَّا عن صاحبه. قال ابن داود: وهذه حال قل ما يقع مثلها، وهي ألطف محلًا من كُلّ ما ذكرناه قبلها وما نذكره بعدها؛ لأنا نصف من آثار المقام مع من يهواه على السلو عنه والراحة من أذاه. وصاحبة هذا البيت تسلت عن محبوبها، وإنما تأسي على العشق لا على المعشوق، وفي هذا النحو يقول بعض الهذليين (٢):

[من المتقارب]

إذا ما سألتك وعدا تُريح … بهِ مُهجتي فأنا المستريح

فلا تُعطني الوعد خَوفَ السُّلو … فإِنِّي على حسراتي شحِيح

أحبُّ إليَّ مِنَ الصَّبْرِ عَنْكَ … فؤادٌ قَرِيح وقلب جريح

ولقد أحسن الوليد بن عبيد حيث يقول (٣): [الطويل]

ويُعجبني فقري إليك ولم يكن … ليُعجبني لولا محبتك الفقر

وما لي عُذْرٌ في حجودك نعمةً … ولو كانَ لي عُدْرٌ لَمَا حَسُنَ العُذْرُ

وأحسن الذي يقول (٤): [من الطويل]

وما سرني أنِّي خَلِيٌّ مِنَ الهوى … على أنّ لي ما بين شرق إلى غرب

فإن كان هذا الحب ذنبي إليكُمُ … فلا غفر الرَّحمان ذلكَ مِنْ ذَنبي

وأحسن أيضًا الذي يقول (٥): [البسيط]

أحببتُ قلبي لما أحبّكم … وصارَ رأيي لرأيهِ تَبَعًا

ورب قلب يقول صاحبُهُ … تعْسًا لقلبي فبئس ما صَنَعَا

قال: وأنشدني أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار لجميل (٦): [من الطويل]


(١) الزهرة ١/ ٦٨.
(٢) الزهرة ١/ ٦٨.
(٣) من قصيدة قوامها ٣٦ بيتًا في ديوان البحتري ٢/ ٨٤٣ - ٨٥١.
(٤) الزهرة ١/ ٦٩.
(٥) الزهرة ١/ ٦٩.
(٦) ديوان جمل ٩٨ - ٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>