على «الموطأ» فبدأت به عليه قراءةً، ثم تتابعت قراءاتي عليه، وعلى غيره ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة، ثم قال ابن العربي: صحبت ابن حزم سبعة أعوام، وسمعت منه جميع مصنفاته.
وقال أبو مروان بن حيان: كان ابن حزم حامل فنون من حديث، وفقه، وجدل، ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله كتب كثيرة لم يخل فيها من غلط؛ لجرأته في التسور على الفنون لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زل هناك، وضلّ في سلوك المسالك، وخالف أرسطو واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض، ومال أولًا إلى مذهب الشافعي، وناضل عنه حتى وسم به، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدل إلى الظاهر فنقّحه، وجادل ولم يك يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا بتدريج، بل يصك به معارضه صك الجندل، وينشقه انشق الخردل، فتمالئ عليه فقهاء وقته، واجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم من الدنو منه، وطفق الملوك يقصونه ويسيرونه عن بلادهم، وهو في ذلك غير مرتدع، ولا راجع، يبث علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من أصاغر الطلبة، يُسمعهم، ويفقههم، ويدارسهم، وكان مما يزيد في شتاته تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم، واعتقاده لصحة إمامتهم حتى نسب إلى النصب.
وقال ابن دحية: كان قد برص من أكل اللبان، وأصابه زمانة، وعاش اثنتين وستين سنة إلا شهرًا.
وقال اليسع بن حزم الغافقي: أما محفوظ ابن حزم، فبحر عجاج، وماء ثجاج، يخرج من بحره مرجان الحكم، وينبت ثجاجة الفاف النعم في رياض الهمم، لقد حفظ علوم المسلمين، وأربى على أهل كل دين، وكان أولًا يلبس الحرير، ولا يرضى من المكانة إلا بالسرير. مدح المعتمد، فأجاد، وقصد بلنسية، وبها المظفر أحد الأطواد. حدثني عنه عمر بن واجب، قال: بينما نحن عند أبي ببلنسية، وهو يدرس المذهب إذ بأبي محمد يسمعنا ويتعجب، ثم سأل الحاضرين عن شيء من الفقه، فاعترض فيه، فقال له بعض الحضار: هذا العلم ليس من منتحلاتك، فقام وقعد، ودخل منزله، فعكف، ووكف منه، وبل ما كف، وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموضع فناظر أحسن مناظرة، وقال فيها: أنا أتبع الحق وأجتهد ولا أتقيد بمذهب (١).