للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مثل أو شعر، ثم انظر إلى أولادهم مع طول لبثهم معنا هل تغير بذلك أخلاقهم وشمائلهم، وأحلامهم وآدابهم، وفطنهم، ثم من غباوتهم ما حكى الله تعالى عنهم حيث قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١) وكقولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٢) وكقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)(٣) وآياتهم انقطعت بموتهم، وعرفها من بعدهم بإخبار سلفهم. وجعل من معجزات نبينا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأشرك فيه الخلف والسلف، وجعله باقيًا على مرور الأيام وبعد الأحوال.

وقال أبو عثمان لعائب عليه كتبه:

عبت الكتاب، ونعم الذخر والعقدة، ونعم البشرة والنزهة، ونعم المستغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، والمعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، والوزير والتنزيل. والكتاب وعاء ملئ علمًا، وظرف حشي ظرفًا، وإناء سخن مزاجًا، وحدًا إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وعجبت من غرائب فوائده، وإن شئت شجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مثله، وببارد حار، ومن لك بطبيب أعرابي، وبرومي هندي، وبفارسي يوناني، وبقديم مولد، وتقديم ممتع، وبشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب، والحسن وضده، وبعد فمتى رأيت بستانًا يحمل في ردن، وروضة في قلب. ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما تهوى. آمن من أرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأضبط بحفظ الوديعة من أرباب الوديعة، وأحفظ لما استحفظ من الأميين، ومن الأعراب للمعربين، بل من الصبيان قبل اعتراض الاشتغال، حين العناية تامة لم تنتقص، والأذهان فارغة لم تتقسم، والإرادات وافرة لم تتشعب، والطينة لينة فهي أقبل ما يكون للطابع، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون من العلوق، حين هذه الخصال لم يلبس جديدها، ولم تتفرق قواها كانت كقول الشاعر: [من الطويل]

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا

وقال ذو الرمة لعيسى بن عمر:


(١) سورة الأعراف: الآية ١٣٨.
(٢) سورة النساء: الآية ١٥٣.
(٣) سورة المائدة: الآية ٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>