الإشارة أن تكون ذات حلية موصوفة، وصورة معروفة، وفي الإشارة بالطرف والحاجب، وغيرهما من الجوارح مرفق كبير، ومعونة حاضرة في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس، وغير الجليس، ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس، ولجهلوا هذا الباب البتة، وقد قال الشاعر:[من الطويل]
أَشارَتْ بطرف العين خيفة أهلها … إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبًا … وأهلًا وسهلًا بالحبيب المسلم
هذا ومبلغ الإشارة أبلغ من مبلغ الصوت والصوت آلة اللفظ، وهو الجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. حسن الإشارة باليد، والرأس من تمام حسن البيان باللسان، وقد قال الشاعر:[من الطويل]
إذا نَحنُ خِفْنا الكاشحينَ فلم نُطِقُ كلامًا تكلمنا بأعيننا شَزْرا فَنَقْضِي وَلَمْ يُعلم بنا كلُّ حاجةٍ ولم نُظهر الشكوى ولم نهتكِ السِّرَّا فأما الخط فمماذكره الله فيه لنبيه ﷺ: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) وأقسم به في كتابه المكنون، فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٢) والقلم أحد اللسانين، وهو أبقى أثرًا، واللسان أكثر هذرًا.
وقال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام، واللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو في الغابر الكائن مثله للقائم الراهن. والكتاب يقرأ بكل لسان، ويدرس في كل مكان، واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوز مواضعه.