طرف أرنبته» ثم قال:«والله لو وضعته على صخر لفلقته، أو على شعر لحلقته، وما يسرني به مقول من معد رائق السمط».
ثم قال بعد ذلك:
وقد قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني، القائمة في صدور الناس، المتصورة في آذانهم، المتجلجلة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والجارية على أفكارهم، مستورة خفية، محجوبة مكتوبة، وموجودة معدومة، ولا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه إلا بغيره، وإنما يحيي تلك المعاني استعمالهم لها، أو إخبارهم عنها، فبهذا يقرب من الفهم، وينجلي للعقل، ويجعل الخفي ظاهرا، والغائب حاضرا، والمجهول معروفا، والوحشي مألوفا، وعلى قدر وضوح الدلالة، وصواب الإشارة يكون إظهار المعنى، وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح كانت الإشارة أبين وأنور، والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الناطق به القرآن، والله جل ثناؤه يمدحه، ويدعو إليه ويحث عليه، وتفاخرت العرب، وتفاضلت العجم، وهو اسم لما كشف قناع المعنى، وهتك الحجاب، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان؛ لأن الغاية التي يجري إليها، إنما هو الفهم والإفهام، وأوضحت المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع. ثم اعلم أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة، وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ، ومن غير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد، وأولها اللفظ، ثم الإشارة ثم العقد، ثم الخط، ثم النصبة الحال التي تسمى نصبة، والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا ينقص عن تلك الدلالات، ولكل واحدة من هذه الخمسة صورة بائنة عن صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف عن أعيان المعاني، ثم عن حقائقها في التفسير، وأجناسها، وأقدارها، وخاصها وعامها، وطبقاتها في السار والضار، والبيان بصر، والعي عتمى. كما أن العلم بصر والجهل عمى، والبيان من نتاج العلم والعي من نتاج الجهل.
وقال يونس بن حبيب: ليس لعيي مروءة، ولا لمنقوص البيان بها بهاء، ولو حل بيافوخه أعنان السماء.
قال: وأما الإشارة باليد وبالرأس، وبالعين وبالحاجب، والمنكب، وبالثوب وبالسيف، وقد يتهدد رافع السوط والسيف، فيكون ذلك زاجرا رادعا، ويكون وعيدا وتحذيرا. والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هوله، ونعم الترجمان، وما تعدو