على هذا آراءه وقد كثر لائمها، ثم قفى من بعده على آثاره الحكماء، وحفظ تدبيره، ونسيت القدماء.
ذكره ابن أبي أصيبعة (١) وقال: كان فاصدًا بالبيمارستان ثم اشتغل بصناعة الطب حتى صار من أكابر أهلها. قال: وهو أول من فطن لنقل أكثر الأمراض التي كانت تداوى بالأدوية الحارة إلى التدبير المبرد كالفالج والاسترخاء واللقوة، وخالف مسطور القدماء، أخذ المرضى بالفصد والتبريد، ومنع المرضى من الغداء، فأنجح تدبيره وتقدم، وانتهت الرياسة إليه، وعوّل الملوك عليه، فرفع عن البيمارستان المعاجين الحارة والأدوية الحادة، ونقل تدبير المرضى إلى ماء الشعير ومياه البزور، فأظهر من المداواة عجائب.
من ذلك ما حكاه لي بميافارقين الرئيس أبو يحيى ولد الوزير أبي القاسم المغربي قال: عرض للوزير بالأنبار قولنج صعب أقام لأجله في الحمام؛ واحتقن عدة حقن، وشرب عدة شربات فلم ير صلاحًا، فأنفذنا رسولًا إلى صاعد، فلما جاء ورآه على تلك الحال ولسانه قد قصر من العطش وشرب الماء الحار والسكر، وجسمه يتوقد من ملازمة الحمام، ومداومة المعاجين الحارة والحقن الحارة، استدعى كوز ماء مثلوج، فأعطاه الوزير، فتوقف عن شربه. ثم إنه جمع بين الشهوة وترك المخالفة وشربه فقويت في الحال نفسه ثم استدعى فاصدًا فقصده وأخرج له دمًا كثير المقدار. وسقاه ماء البزور ولعابًا وسكنجبينًا، ونقله من حجرة الحمام إلى الخيش، وقال له: إن الوزير أدام الله عافيته سينام بعد الفصد؛ ويعرق وينتبه؛ فيقوم عدة مجالس، وقد تفضل الله بعافيته. ثم تقدم بصرف الخدم لينام. فقام الوزير إلى مرقده، وقد وجد خفة من بعد الفصد، فنام مقدار خمس ساعات، وانتبه يصيح بالفراشين. فقال صاعد للفراش: إذا قام من الصبيحة فقل له يعاود النوم، حتى لا ينقطع العرق. فلما خرج الفراش من عنده قال: وجدت ثيابه كأنه قد صبغت بماء الزعفران، وقد قام مجلسًا ونام. ثم لا زال الوزير يتردد دفعات إلى آخر النهار مجالس عدة، ومن بعد هذا غذاه بمزوّرة، وسقاه ثلاثة أيام ماء الشعير، فبرئ برأ تامًا. فكان الوزير أبدًا يقول: طوبى لمن سكن بغداد دارًا شاطئة. وكان طبيبه أبو منصور، وكاتبه أبو علي بن موصلايا. فبلغه الله أمانيه فيما طلب.
ونقلت أيضًا من خطّ ابن بطلان: أن صاعد الطبيب عالج الأجل المرتضى ﵁ من لسع عقرب، بأن ضمد بكافور فسكن عنه الألم في الحال.