لها على كره منه لفراقها، ثم قال: والله لا تذهبين حتى أراك عندي الليلة كلها.
ثم أحضر جواريه الغناء، وقضى معها ليلة متلألئة السنى؛ فلما صدح الصباح، وفتح النهار بابًا كان في الليل مرتجًا، أزمعت الجارية على الخروج، وقد قدمت المراكيب، وجاء الصبح بموعده القريب، أخذ الحكم كالإفكل، وعلاه النحيب، ثم أنشد متمثلًا قول ذي الرمة (١): [من الطويل]
أفي الدار تبكي أَنْ تَحَمَّلَ أَهْلُها … وأَنتَ امرؤ قد حكمتكَ العَشائِرُ
وجعل يردد هذا البيت وقال لجواريه: أيتكن سبقت إلى عمل لحن في هذا البيت وما يضم إليه فلها حكمها، فابتدرت مهجة وغنت ثم سوغها الحكم ما تمنت. والصوت:
أفي الدار تبكي أَنْ تَحَمَّلَ أَهْلُها … وأَنتَ امرؤٌ قد حكمتك العشائر
فلا ضَيْرَ أَنْ تستعبر العينُ إنَّني … على ذاك إلا حوله الدمع صابر
وإن لابني بأمي مِنْ دُوْنِ صُحْبَتِي … لكِ الدهرُ مِنْ أُحْدُوثَةِ النَّفْسِ ذاكِرُ
وأن لا ينام الركب تهويم وقعة … من الليل إلا اعتادني منكَ زائر
والصوت من قصيدة من غرر [قصائد] ذي الرمة، ومنها:
لقد نامَ عَنْ ليلى لقيط وشاقَنِي … مِنَ البَرْقِ عُلْوُيُّ السَّنَى مُتياسر
أَرِقْتُ لهُ والثَّلْجَ بيني وبينَهُ … وحومان حُزْوَى فالحمول البواكِرُ
أجدَّتْ بأغباش فأضحت كأَنَّها … مَوَاقِرُ نَخْلِ أَوْ طَلُوحٌ نواظر
وتحتَ العَوَالي في القَنَا مُسْتَظِلَّةٌ … ظباءٌ أعارتها العيون الجآذر
هي الأدم حاشا كلَّ قَرْنٍ ومِعْصَمِ … وساقٍ وما ليت عليه المازِرُ
وغير التحمي دُونَها ما وراءها … ولا يَحْتَطِبْها الدهر إلا مَخاطِرُ
قطعت بحلفاء الدفوف كَأَنَّها … مِنَ الحقبِ ملساء العَجِيبَةِ ضَامِرُ
إذا القومُ راحُوا رَاحَ فيها مُقَارِفٌ … إذا شَرِبَتْ ماءَ المَطِيِّ الهَوَاجِرُ
وماء تجافَى الغَيْثُ عنْهُ فَمَا بِهِ … سواء الحمام الحصين الخصر حاضر
وردت وأرداف النجومِ كَأَنَّها … وراءَ السّماكين النهي واليَعَافِرُ
على نضوة تهدى بركب تطوَّحوا … على قلص أبصارُهُنَّ عَوَائِرُ
وحكي أن الحكم اقترح عليها أن تصنع صوتًا في شعر أبي تمام وهو هذا (٢): [من الطويل]
(١) دوانه ٢٣٣ - ٢٤٤.
(٢) دوانه ٢/ ٤٥١ - ٤٥٢.