أنا ابن الذين استرضع المَجْدُ فِيهُمُ … وسُمي منْهُمْ وهوَ كَهْلٌ ويافع
مَضَوا وكأَنَّ المكرمات لديهُمُ … لِكَثْرَةِ ما وَصُوا بِهِنَّ شَرائِعُ
فأَيُّ يَدٍ في المَجْدِ مُدَّتْ فلَمْ تَكُنْ … لها راحَةٌ في مَجْدِهِمْ وأَصابِعُ
هُمُ استودَعُوا المَعْرُوفِ مَحْفُوظ مالِنا … فَضَاعَ وما ضاعَتْ لَدَينا الصَّنَائِعُ
فصنعت في ثقيل الرمل، فلم يقع في نفسه بموقع، فقالت: سأصوغ له لحنًا غير هذا، فقال: هيهات قد تكدر علي صفوه، ولكن انظري شيئًا تصنعين فيه سواه فصنعت في قول أبي تمام (١): [من الطويل]
جَرَى حَائِمٌ في حَلْبَةٍ مِنْهُ لَو جَرَى … بها القطرُ قالَ الناسُ: أَيُّهما القَطْرُ
فتي ذخر الدنيا أناس ولم يَزَلْ … لها باذلًا فانْظُرْ لِمَنْ بَقِيَ النُّخْرُ؟
فمن شاء فليفخر بما كانَ مِنْ نَدًى … فليس لحي غيرنا ذلكَ الفَخْرُ
جَمَعْنَا العُلا بالجُودِ بعد افتراقها … إلينا كما الأيام يجمعها الشَّهْرُ
فلما تغنت به اهتز الحكم حتى كاد يخرج عن السرير، وقال لها: أحسنت، والله وأجملت وزدت على ما في أمنية نفسي، وأمر لها بمائة دينار لكل بيت، فقامت بأربعمائة دينار.
وجمع الحكم يومًا جواريه وأمرهن أن يغنين في شعر الفرزدق (٢): [من الوافر]
وقالوا: إن عرضت فَأغْنِ عنا … دموعًا غير راقية السجامِ
وكيف إذا رأيت ديار قوم … وجيران لنا كانُوا كِرَامَ
أُكَفْكِفُ عَبْرَةَ العَينين مني … وما بعد المدامع من لمام
فعملن فيه أصواتًا أخذن ألحانها، وأقمن أوزانها، وكانت مهجة أوقعهن على ما في نفسه، فقال لهن: اقترحي حكمك؟، فقالت: أن لا يغنين اليوم إلا من أصواتي، فأمرهن بذلك، وأمرها بأن تلقي عليهن حتى حفظن ذلك عنها، ثم غنينه ذلك اليوم بأصواتها، فأجزل صلتها، ووصل سائرهن.
وهذا الصوت من قصيدة هجا الفرزدق فيها جريرًا، ومدح هشام بن عبد الملك، فمنها هجاء جرير (٣)
(١) دوانه ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧.
(٢) دوانه ٢٩٠. ط دار صادر.
(٣) أخل بها ديوانه.