دون محبتي، وتكلمت أم جعفر بأغلظ من كلامه، وثلبته بأكثر مما يثلب به أحد. فورد علي من ذلك، مورد، أقام وأقعد، ثم أقبل علي الرشيد، وقال: يا جبريل: إنه لم يسمع كلامي غيرك وغير الفضل، وليس الفضل ممن يحكي شيئًا منه، وعلي وعلي لئن تجاوزك لأُتْلِفَنَّ نفسك، قال: فبرأت إليه من ذكره، وأكبرت الإقدام على حكاية شيء جرى في مجلسه، وانصرفت، ولم أصبر، وقلت في نفسي: إن تلفت في الوفاء فلا أبالي، وصرت إلى يحيى بن خالد، فعرفته بما جرى فقال لي: أتذكر وقد جئتني في يوم كذا من شهر كذا، وأنا في هذا الموضع، فحكيت لي عن أمير المؤمنين الإحماد والثناء والشكر والدعاء، وعن أم جعفر مثل ذلك؟ فقلت: نعم وعجبت من حفظه الوقت فقال: إنَّه لم تكن منه في تلك الحال التي أحمدها ولا كان منه في تلك ما لم يكن منه هذا. ولكن المدة إذا آذنت بالانقضاء جعلت المحاسن مساوئ، ومن أراد أن يتجنى قدر، ونسأل الله حسن الاختيار. وكان جبريل صنيعة البرامكة، وكان يقول للمأمون كثيرًا: هذه النعمة لم أفدها منك ولا من أبيك هذه أفدتها من يحيى بن خالد.
ولما أحس يحيى من الرشيد بالتغير، ركب إلى صديق له من الهاشميين ليشاوره في أمره، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أحب جمع المال، وقد كبر ولده، فأحب أن تعقد لهم الضياع، وقد كثر على أصحابك عنده، فلو نظرت إلى ما بين أيديهم من ضياع وأموال، فجعلتها لولد أمير المؤمنين، وتقربت بها إليه رجونا لك السلامة، ولهم في ذلك من مكروهه، فقال يحيى: جعلني الله فداك! لأن تزول النعمة عنِّي أحبّ إليَّ من إزالتها عن قوم كنت سببها إليهم (١).
وسمع رجل يحيى بن خالد، وهو يتضجّر بالعمل، ويستعفي منه، فقال له رجل كان يختص به منهم، أعيذك بالله أن يعلم أمير المؤمنين أنه مستغن عنك طرفة عين، ولا تفلح بعدها أبدًا، ودعه يظنُّ أنَّ ملكه يزول بزوالك، وأن صرفك ما لا يجوز، ولا يكون، فلم يقبل يحيى ذلك. ووصل الضجر إلى الرشيد والاستعفاء، فهلك وبنوه، وكان أسرعهم هلكًا، وأشنعهم صرعة جعفر.
وحكي عن عبد الله بن زياد الكاتب: أنَّه لما أحس يحيى بالتغير من الرشيد، صار إلى معاذ بن مسلم، فدخل على دابته إلى مجلسه فقام إليه معاذ، وأكب عليه يحيى يكلمه، فلما فرغ من حديثه ولى منصرفًا، وعاد معاذ إلى مجلسه، فقال لمن حضر: أتدرون ما قال لي يحيى: فقالوا: لا. قال: جئت أشكو إليك أمير المؤمنين، فقلت: