في ماذا؟ فقال: كان سألني أن أصرف له في السنة أربعة آلاف ألف درهم لخاص نفقاته ليصرفها فيما أحب، ففعلت، ثم سألني أن أزيد فزدته، فجعلتها ستة آلاف، ثم استزادني في وقت بعد آخر، ثم سألني اليوم أن أصيرها عشرة آلاف درهم، فأي بيت مال يبقى على هذا؟ وقد أشرت عليه بأن يداريه ويرفق به، ولا يسخطه.
ودخل يحيى بن خالد على الرشيد لما ابتدأت حاله في الفساد، وهو خال، فعرف خبره وانصرف، فقال الرشيد لبعض الخدام الحق يحيى. فقل له: خنتني فاتهمتني! فلحقه فقال ذلك، فقال يحيى للرسول، إذا انقضت المدة كان الحتف في الحيلة، ووالله ما انصرفت عنك في خلوتك إلا تخفيفًا عنك. وهذا كلام لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁:
«إذا انقضت المدة كان الهلاك في العدَّة». أي الاستعداد. وأخذ هذا الكلام ابن الرومي الشاعر:[من الكامل]
غَلِطَ الطَّبِيب علي غلطة مورد … عجزت مواردهُ عَنِ الإصدار
وذكر محمد بن زكريا العلاني قال: حدثني مهدي بن سابق قال: رأى يحيى بن خالد في منامه قبل نكبته كأن قائلًا يقول له: [من مجزوء الخفيف]
أنعموا آلَ برمك … وأنظروها مَتَى هيه
يوشك الدهر أن يحلـ ـل … عليكم بداهية
وكان الرشيد بعد صرف الفضل بن يحيى عن خراسان قلد علي بن عيسى بن ماهان خراسان لتكثير وقع عنده على الفضل في الأموال، فقتل علي بن عيسى وجوه أهل خراسان وملوكها، وجمع أموالًا جليلة، فحمل إلى الرشيد ألف بدرة معمولة من الحرير، فيها عشرة آلاف ألف درهم، فلما وصلت إليه سرَّ بها، وأحضر يحيى بن خالد، فقال له: يا أبت أين الفضل عن هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين: إنَّ سبيل خراسان أن يُحمل إليها المال، لا أن يُحمل منها، والفضل أصلح نيَّات رؤسائها، واستجلب طاعتهم، وعلي بن عيسى قتل صناديد أهل خراسان وطَرَاخِنَتِها، وحمل أموالهم، ولو قصدت الدرب من دروب الصيارف بالكرخ، لوجدت فيه أضعاف هذا، وسينفق أمير المؤمنين مكان كل درهم عشرة، فثقل هذا القول منه على الرشيد، فلما انتقض أمر خراسان، وخرج رافع بن الليث، واحتاج الرشيد إلى النهوض إليها بنفسه، فخرج حتى صار إلى طوس، وجعل يتذكر هذا الحديث، ويقول: صَدَقَنِي والله يحيى ونصح، فلم أقبل منه، لقد أنفقت مائة ألف ألف درهم وما بلغت شيئًا (١).