للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان يحيى بن خالد ولى رجلًا بعض أعمال الخراج، فدخل به إلى الرشيد، ليراه ويوصيه، فقال الرشيد ليحيى ولولده: أوصياه، فقال له يحيى: وفّر واعمر. وقال له جعفر: أنصف وانتصف، فقال له الرشيد: أعدل وأحسن.

واستأذن جعفر بن يحيى الرشيد في العمرة في سنة خمس وثمانين ومائة، فأذن له، فشخص في شعبان، وأقام إلى الحج، وانصرف، ولم يزل جعفر بن يحيى مع الرشيد على حاله من الأنس به والانبساط إليه، إلى أن ركب في يوم الجمعة مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة إلى الصيد، وجعفر معه يسايره خاليًا به، وانصرف ممسيًا على تلك الحال إلى القصر الذي كان ينزله بالأنبار، وهو معه، فضمه إليه، وقال: لولا أني أريد الجلوس الليلة مع النساء لم أفارقك، فصار جعفر إلى منزله، وواصل الرشيد الرسل إليه بالألطاف إلى وجه السحر، ثم هجم عليه مسرور الخادم ومعه سالم أبو عصمة، فَحُمِلَ وَرِبَتْ عنقه، وأُتِيَ الرشيد برأسه، وكانت سِنُّه سبعًا وثلاثين سنة، وأنفذ الرشيد جثته إلى مدينة السلام، مع هرثمة بن أعين ومسرور وسالم الخادمين، فقطعت نصفين وصلبتا على الجسرين، ونُصب رأسه بمدينة السلام.

وحبس الفضل ومحمد وموسى بنو يحيى، ووكل سلام الأبرش بباب يحيى، ولم يتعرض لمحمد بن خالد، ولا لأحد من أسبابه.

قال الجهشياري: حدثني عبد الواحد بن محمد الحضيني قال: حدثني أبو حازم القاضي قال: قد صح عندي أن جعفر بن يحيى كان مصلوبًا وفي رجليه قيد، فكنت أعجب من ذلك حتى سألت عيسى عن ذلك، فذكر أن مسرورًا لما هجم عليه وعرفه ما أمر به، قال له: يا أبا هاشم: الحرمة والمودة، فقال له: ما لي في أمرك حيلة! فقال له جعفر: فهذه خمسون ألف دينار اقبضها، واحملني معك غير مقتول، وأعلم أمير المؤمنين بأنك قد امتثلت ما أمرك به، فإن أمسك عني تركتني حتى يسألك عني، فتعلمه أنك قد أشفقت من قتلي خوفًا من أن يكون ما أمرك به من عمل النبيذ، أو بإرادة يندم عليها، فاستظهرت بتركي، وتمضي بعد ذلك ما يأمر به، وإن تكن الأخرى، فأنت من المال في حل. ففعل مسرور ذلك، وحمله إلى مضرب الرشيد بالعُمْرِ، فوكّل به فيه واستظهر بأن قيد، ثم دخل على الرشيد وهو جالس على كرسي ينتظره، فلما رآه قال: ما فعلت؟ فقال: امتثلت أمر أمير المؤمنين، قال: فأين رأسه يا بن الفاعلة؟ فرجع مسرور يعدو حتى أخذ رأسه في بريكة قبائه وألقاها بين يديه، وحُمِلَتْ جثته والقيد في رجليه.

قال سلام الأبرش: ولما دخلت على يحيى بن خالد في ذلك الوقت، فهتكت الستور، وجمعت المتاع، قال لي غير متغيّر، ولا مضطرب: يا أبا سلامة، هكذا تقوم

<<  <  ج: ص:  >  >>