الساعة! ثم بلغه خبر قتل جعفر فقال: الحمد لله، فإني بفضل ربي واثق، وبالخيار منه لي عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم. وما ربك بظلام للعبيد، وما يغفر الله أكثر، والحمد لله على كل حال. وأنفذ الرشيد مسرورًا الخادم، والحسين الخادم، وأبا صالح بن يحيى بن عبد الرحمن الكاتب، وإبراهيم بن حميد الكاتب، لقبض أموالهم وعقاراتهم وضياعهم بالعراق، فكانت مدتهم في الوزارة سبعة عشر سنة.
وذكر مسرور الخادم أنه دخل على جعفر في ليلة، وهي الليلة التي قُتل فيها، وبين يديه أبو زكار الأعمى المغني وهو يغني: [من الوافر]
عداني أن أزورك غير بُعْضٍ … مُقامُكَ بينَ مُصْفَحَةٍ شَدَادِ
فلا تبعد فكلُّ فتّى سَيَأتِي … عليه الموتُ يَطْرُقُ أو يغادي
فقلت له: يا أبا الفضل الذي جئت له والله من ذلك، قد والله طَرَقَك الأمر، فأجب أمير المؤمنين، قال: دعني حتى أوصي، فتركته حتى أوصى بما أراد، وأعتق مماليكه، وأتتني الرسل تستحثني على قتله، فحملته.
وقال الرقاشي في قتله: [من الطويل]
الآنَ اسْتَرَحْنَا واستَراحَتْ رِكابُنا … وأمسكَ مَنْ يُجْدِي وَمَنْ كَان يَجْتَدِي
فقل للمطايا قد أمنتِ من السُّرَى … وقَطع الفَيافِي فَدْفَدًا بَعْدَ فَدْفَدِ
وقُلْ للمنايَا قَدْ ظَفِرْتِ بِجَعْفَرٍ … ولن تَظْفَرِي مِنْ بَعْدِهِ بِمُسوَّدِ
وقُلْ للعَطَايَا بَعْدَ فَضْلٍ تعطَّلي … وقُلْ للرزايا كل يوم تجددي
وَدُونَكَ سيفًا برمكيًا مُهنَّدًا … أُصِيْبَ بسيف هاشمي مُهنَّدِ
وقال فيه أيضًا: [من الوافر]
على المعروف والدُّنيا جميعًا … بدولة آل بَرْمَكِ السلامُ
وما أبْصَرْتُ قبلَكَ يا بن يحيَى … حُسامًا قده السيفُ الحُسَامُ
وقال أبو حزرَة: [من الخفيف]
ما رَعَى الدَّهْرُ آل برمكَ لمَّا … أَنْ رَمَى مُلْكَهُم بأمر بديع
إنَّ دهرًا لم يَرْعَ حقًَّا ليَحيَى … غيرُ راع حقًا لآل الربيع
وقال آخر: [من الرمل]
يا بَنِي بَرْمَكَ وَاهَا لَكُمْ … ولأيَّامِكُمُ المُقْتَبَلَة
كانت الدنيا عروسًا بكُمُ … فَهِيَ الآنَ تَكُولٌ أَرْمَلَةُ (١)
(١) الوزراء ٢٣٤ - ٢٣٦.