للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال محمد بن الحصين الأهوازي: كنا مع جعفر بن يحيى بالرقة ونحن بين يديه يومًا، وهو يأمر وينهى، إذ خلا بأنس بن أبي شيخ ناحية، ونحن نراه، فأدخل صاحب الشرطة رجلًا من أهل الذمة، فوقفه من بعيد، ودنا من جعفر فقال له: لقد أحضرت الرجل الذي أمرت بإحضاره، قال: فقطع ما كان فيه من أُنس، والتفت فنظر إليه. قال: وكان الرشيد أمر أهل الذمة بتغيير الملبوس والمركوب. قال له وهو رافع صوته: ما اسمك؟ قال: فلان قال: ابن من؟ قال: ابن فلان فقال: أنت الحراني؟ قال: نعم. قال: الرقعة التي رفعتها رقعتك؟ قال: نعم. قال: وما فيها عنك وأنت تقوله؟ قال: نعم، فأطرق جعفر ساعة، ثم التفت إلى صاحب الشرطة، وقال: خذه إليك فإن أمير المؤمنين قد أمرك أن تقتله وتصلبه، قال: فارتعنا لذلك القول، ولم نعرف الرجل ولا ما في برقعته.

فأخذ صاحب الشرطة بيده، فقال: أنس بن أبي شيخ: أصلبه على أطول عود بالرقة، فالتفت الحراني وقال: إن شاء على أطول عود، وإن شاء على أقصره، ليس والله يركبه بعدي غيرك (١)!

قال: وكان في الرقعة رفاعة على البرامكة.

وقال أبو قابوس عمرو بن سليمان الحيري: يخاطب الرشيد ويرققه على الفضل بن يحيى بن خالد، ويذكر مقتل جعفر: [من الوافر]

أمين الله هب فضل بن يحيى … لنفسِكَ أَيُّها المَلِكُ الهُمَامُ

وما طَلَبِي إليكَ العفوَ عَنْهُ … وَقَدْ قَعَدَ الوُشاةُ بِهِ وقاموا

أرى سبَبَ الرضا عنه قويًَّا … على الله الزيادة والتمام

نذرتُ عليَّ فيه صيام شهر … فإن تمَّ الرضا وجَبَ الصّيام

وهذا جعفر بالحسر يمحو … مَحاسِنَ وجهه ريحٌ قَتَامُ

أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفةِ لا تَنَامُ

لَطِفْنَا حولَ جِذْعِكَ واسْتَلَمْنَا … كما للنَّاس بالحجر استلام

وما أبصرتُ قبلك يا بن يحيَى … حُسامًا قده السيفُ الحُسامُ

عقاب خليفةِ الرَّحْمَنِ فخرٌ … لِمَنْ بِالسَّيْفِ صَبَّحَهُ الحِمَامُ

قال: كان مسرور صديقًا للبرامكة جميعًا خلا جعفرًا، فإنه كان يعاديه، وكان قد


(١) الوزراء ٢٣٨ - ٢٣٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>