للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جرى بينهما كلام بحضرة الرشيد، فشتمه جعفر وقرفه بشيء تبرأ منه مسرور، وحلف على بطلانه ثم قال لجعفر: إن كنتَ كاذبًا فَقَتَلَكَ اللهُ بسيفي هذا!! فذكر الفضل بن مروان أن مسرورًا ضرب عنق جعفر بذلك السيف.

وحكى حمزة بن حنيف قال: كنا مع علي بن عيسى بن ماهان في الوقت الذي نزل فيه بالبرامكة، وكان من معاداتهم على ما لا غاية وراءه، وكان مسرورًا بنكبتهم، فعدنا له في يوم من الأيام، فوجدناه على قصره يبكي وينشد بيتين وهما: [من السريع]

إنَّ المساكين بني برمك … صُبَّتْ عليهم غيرُ الدَّهرِ

وللورى في أمرهم عِبْرَةٌ … فليعتبر ساكن ذا القصر

قال: ثم لم يلبث حتى نكبه الرشيد عقيب البرامكة، ولم يزل في الحبس إلى أن أطلقه الأمين.

وحكى الأصمعي قال: لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى أرسل إلي ليلًا فراعني، وأعجلني الرسل، فزادوا في وجلي، فصرت إليه، فلمَّا مَثلتُ بين يديه، أومأ إليَّ بالجلوس، فجلست، ثم قال: [من الكامل]

لو أن جعفر خاف أسبابَ الرَّدَى … لَنَجَا بِمُهْجَتِهِ طِمِرٌ مُلْجَمُ

ولكان من حَذَرِ المنُونِ بحَيثُ لا … يرجو اللحاق بِهِ العُقابُ القَشْعَمُ

لكنه لما تقارَبَ يَومُهُ … لمْ يَدْفَع الحدثان عنه مُنَجِّمُ

ثم قال لي: الحق بأهلك يا ابن قريب فنهضت ولم أحر جوابًا، وفكرت فلم أعرف لما كان منه معنى، إلا أنه أراد أن يسمعني شعره فأحكيه.

وحكى إسحاق فقال: قال الرشيد بعد مقتل جعفر بن يحيى وصلبه: اخرج بنا ننظر إلى جعفر، فلما وصل إليه، جعل ينظر ويتأمله وينشده: [من المتقارب]

تقاضاك دهرُكَ ما أسْلَفَا … وكذَّرَ عيشَكَ بعد الصَّفَا

فلا تَعْجَبَنَّ فإن الزَّمان … رهين بتفريق ما أَلَّفَا

قال إسحاق: فنظرتُ إليه ثم قلت: يا جعفر أصبحنا به، ولقد كنت في الجود

غاية، فنظر إلي الرشيد كالجمل الصؤول: [من السريع]

ما يُعجِبُ العالم من جعفر … ما عاينوه بعد ما كانا

مَنْ جَعفر أو مَنْ أبوه، ومَنْ … كانَتْ بَنُو بَرْمَكَ لولانا

وكان جعفر قد اتخذ دنانير للصلة زنة كل دينار مائة دينار ودينار، وكتب على

<<  <  ج: ص:  >  >>