للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أنه عمل شيئًا، وما علمت أنت أضعافه، ومن كان آفة أمير المؤمنين مع أبيه غيركما، والله لأفعلن بكما، ولأصنعنَّ، قال: فأغاثنا الله بشغل أشغله عنا. وبقينا متوقعين أن يأمر فينا بسوء، فلما فرغ من شغله أخذ ورقتين مما قدامه، وكتب عليهما، استؤمر أمير المؤمنين أطال الله بقاءه في ذلك، فأمر بإمضائه، ثم رماهما إلينا، فإذا فيهما حوائج كنا سألنا فيها عبد الله بن يحيى من أول ما تقلد الوزارة، فأخره عنا، فقمنا فقبلنا يده، وشكرناه فقال: سبحان الله أتشكران هذا مني، وإني شيء فعلته من قضاء حقكما إلا أني، ربما عجلت في بعض الأوقات مني حدة فاحتملوني.

وقال أبو القاسم يحيى بن زكريا: إنَّ خط أحمد بن الخصيب كان رديئًا جدًا، وإنه كان في ديوانه ابن الإنسان علاف يشبه خَطَّه خطه، فكان يزور عليه، ويأخذ الحمل، فاتصل الخبر بأحمد فأحضره، وقال له: قد اتصل بي ما تفعل، وقد أجريت عليك خمسين دينارًا كل شهر على أن تترك ما أنت عليه، ثم لك عندي مزيد الإكرام. فَعَفَّ مدة، ثم عاود عمله الأول، فقيل لأحمد عنه، فطلب أباه، وقال: إنَّ ابنك ابتدأنا بالإساءة، فجزيناه بالإحسان، وأزلنا ضرورته التي كانت تحمله على ما يعمل، ثم هو قد عاود، ولا يجاورني في هذا البلد، ثم أمره بالمقام ببغداد واستمر بجارية عليه.

وقال أحمد بن أبي الإصبع: اجتمع لبلال البزار عند المتوكل ألف ألف ومائة ألف دينار وما ابتيع منه الأمتعة، فلما قتل المتوكل يئس من المال، فأتى وسألني أن أكلم أحمد بن الخصيب له، ليعطيه نصف ماله، ويأخذ هو النصف، وكتب بذلك رقعة، فأخذتها، وتوجهت وقت خلوة، وجعلت أقلبها بيدي، فنظر إليها، وقال: ما هذه؟ فدفعتها إليه، فقال لي: وهذا المال لبلال؟، فقلت له: نعم، فقال: فاخرج لي حسابه، وصححه، فرآه صحيحًا، فقال لي: إذ كان هذا المال لهذا الرجل فلأي شيء يرضى بنصفه ويعطي نصفه؟ ثم وقع له، به وصرف عليه المال، ولا والله ما رزأه ابن الخطيب شيئًا منه.

ولما ولي المستعين أعطى الكتاب مائة ألف درهم لكل كاتب، وأعطى ابن الخصيب ثلاثمائة ألف درهم، وأشياء أخرى وأمتعه منها فرش الجعفري الذي كان للمتوكل، فحمل على نحو مائتين وخمسين حمل بعير، وزاد في إقطاعه بلادًا يغل كل سنة ألف ألف وخمسمائة ألف درهم، وأقطع ابنه محمد بن أحمد الخصيب بلادًا تغلُّ في السنة مائتين وخمسين ألف درهم.

<<  <  ج: ص:  >  >>