بيده إليه، وقال: أيها الرئيس إني لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل النعل، وأكلت النوى المحرق انتظارًا لصلتك، والله ما بي من الحرمان، ولكن شماتة الأعداء، قوم نصحوني فاغتششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم، وبأي حجة أقاومهم؟ ولم أحصل من مديح بعد مديح، ومن نثر بعد نظم، إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم؟ فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما هي؟ إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظمهم سنامًا، وأنورهم شعاعًا، وأشرفهم بقاعًا.
فحار ابن العميد وشُدِه، ولم يدر ما يقول، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه، وقال: يا هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة، وعن الإطالة مني في المعذرة، وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه.
فقال ابن نباتة: أيها الرئيس هذه نفثة صدرٍ دَوِيَ منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغني إذا مطل لئيم.
فاستشاط ابن العميد وقال: والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله تعالى، ولقد نافرت ابن العميد من دون ذا حتى دفعنا إلى قرى عائم ولجاج قائم، ولست ولي نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك، وإن بعض ما أقررته في مسامعي ينقض مرّة الحليم، ويبدد شمل الصبر، هذا وما استقامتك بكتاب، ولا استدعيتك برسول، ولا سألتك مدحي، ولا كلفتك تقريضي.
فقال ابن نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتك بكتاب، ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك، ولا كلفتني تقريضك، ولكن جلست في صدر ديوانك بأبهتك، وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فإني كاتب ركن الدولة، وزعيم الأولياء والحضرة، والقيم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني بلسان الحال، ولم تدعني بلسان المقال. فثار ابن العميد مغضبًا، وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس، وماج الناس، وسمع ابن العميد ابن نباتة، وهو في صحن الدار مارًا يقول: والله إنّ سفّ التراب، والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهينًا له، ومشتريه مماكسًا فيه، فلما سكن غضب ابن العميد، وثاب إليه حلمه التمسه من الغد، ليعتذر إليه، ويزيل آثار ما كان فيه، فكأنما غاص في سمع الأرض وبصرها، وكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات في صفر، وقيل في المحرم بالري، وقيل ببغداد سنة ستين.
وذكر أبو الحسن الصابي أنه توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.