ممدود الظلماء، قد ملك الأرض من أكثر أطرافها، وسلك خوفه قلوب أشرافها، وكان لدى الخلافة محمود الأثر، ممدوح السير، يجله، آجال سلطانه، ويحله قريبًا من مكانه، والخليفة يستزير بصباحه، ويستمير من رياحه ولا يزال بينهما رسل تتردد لحوائج وأمور على حكم إشارته تمضي، وسياجه من الدين يحوط نواحيه، ويحيط من يلاحيه، ويوجب له على أعدائه ذلّ الرقاب، وتحصيل جل الرغاب أصله من طوس الدهاقين، وزالت نعمة أبيه، وماتت أمه، وكان أبوه يطوف على المرضعات، فلما أن له، سمع الحديث وتفقه، وعُدَّ من الفضلاء.
واشتغل بخدمة السلطان والدهر يعلو به وينخفض حتى وزر لألب، وكان ملكه يتعدى خراسان، وظهرت له منه كفاية لا تظن في غيره.
وكان عالمًا، دينًا، جوادًا عادلًا، حليمًا كثير الصفح عن أهل الذنوب والجرائم، طويل الصمت، ظاهر الورع، وأمر ببناء المدارس، لا يزال مجلسه عامرًا، وأجرى لها الجرايات العظيمة، وأملى الحديث ببغداد و خراسان وغيرها، وكان يقول: إني لست من أهل هذا الشأن لما أتولاه، ولكني أحبُّ أن أجعل نفسي على قطار نَقَلَة حديث رسول الله ﷺ.
وكان إذا سمع المؤذن، يمسك عن كل ما هو فيه ويجيبه، ثم لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن، ودخل الوقت، يأمره بالآذان محافظة على حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات.
وأسقط المكوس في الضرائب، وأزال لعن الأشعرية على المنابر؛ لأنَّ الوزير عميد الملك الكندري كان قد حسن للسلطان طغرلبك لعن الرافضة، فأمره بذلك، فأضاف إليهم الأشعرية، ولعن الجميع، ولهذا فارق إمام الحرمين والقشيري وغيرهما بلادهم، فلما ولي نظام الملك لألب أرسلان، أسقط هذه الفضيحة الفظيعة، والقبيحة الشنيعة، وأعاد العلماء إلى أوطانهم.
وكان إذا دخل عليه إمام الحرمين والقشيري يقوم لهما، ويجلس إلى مسنده، فإذا دخل عليه أبو علي الفارمدي يقوم إليه، ويجلسه، ثم يجلس بين يديه، فقيل له في
١٣٨ وفيه: «الحسين»، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ١٣٥، والبداية والنهاية ١٢/ ١٤٠ - ١٤١، وتاريخ ابن خلدون ٣/ ١٣٥، ٥/١١ - ١٣، والنجوم الزاهرة ٥/ ١٣٦ - ١٣٧، وشذرات الذهب ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٥، وروضات الجنات ٢٢١، وأعيان الشيعة ٢٢/ ٢٢٥، والأعلام ٢/ ٢٠٢، تاريخ الإسلام (السنوات ٤٨١ - ٤٩٠ هـ) ص ١٤٢ رقم ١٤١.