منه؛ لدفع ضررهم، أو مداراتهم، طلبت رئيس البلد، أو استعانت بسعاته، وتركته وبث دعاته، فيوظف على قدر ما تسعه الأموال وتقتضيه الأحوال.
وكان لا يزال من الأيام النورية في هذا البيت بقية من تلك الإضاءة، وشارقة من تلك الوضاءة، وولي منهم يجد لهذا الوزير الأفضل كتابة إنشاء، ثم وزارة لم تطل له باع الرشاء لبعضهم كتاب تاريخ إلا أنه كثير على مثله ممن لم يجعل الطلب ديدنه، والعلم معدنه، وكان جله أجلاء هذا البيت يرجعون إلى عقاراتهم، ولا يخدمون الملوك إلا لمداراتهم، حتى كان والد هذا الوزير مؤيد الدين أسعد بن المظفر، وكان من أهل الغناء، وممن لا يعدّ بأحد من الأمناء، فأقامه الظاهر بيبرس لوكالة بينهما، فوليها على كره أغصه بشجاها، وأشرقه بما تجرَّع من كؤوسها المُمرَّة خوف عقباها.
وحكي من أمانته أن رجلًا أعجميًا قدم للحج تفضل معه مبلغ ألفي دينار عينًا، فسمع بأمانته فأتى إليه والذهب معه، وسأله أن يستودعه، فقال: ضعه في ذلك المكان، وأشار إلى مكان من الرواشن المطلة على داره - فطلع العجمي إليه، ووضع فيه المال، ثم نزل للحج، ولم يقدر له العود إلى سنين، فلما أتاها أتى مؤيد الدين في طلب الوديعة، وكان قد أُنْسِيَها مؤيد الدين، فقال له: أي وديعة لك عندي؟، فقال له: يا سيدي، ارجع إلى الله من قريب.
فغضب مؤيد الدين، وقال له: إلي تقول هذا إن كنت صادقًا، فذكرني بشيء أتذكر به، فقص عليه العجمي القصة، حتى قال له، وأنا وضعتها بيدي في روشن في دارك صفته كذا، قال له مؤيد الدين: يا أخي ابشر إن كنت صادقًا، فمالك مكانه، فإني هناك أضع الأمانات، فاصعد إلى الروشن، فخذ مالك. فصعد إلى الروشن، فوجد ماله بعينه، وقد علاه الغبار لم يلمس منذ وضع هناك إلى يومه ذاك، فأخذ الذهب وانصرف.
قلتُ: ويُحكى عنه من هذا وأمثاله أشياء ليس هذا موضعها، وإنما جاءت هنا عرضًا. فأما ابنه هذا الوزير، فكان صدر وقته، وسرّ الكبر ما في سعته قدم الملوك والأمراء بوداده، واستغرق أوقاتهم باسترداده، واستعدّ الجدّ في استلامه صفاتهم حتى حطم الدروس، وهم الرؤوس، وصار لا يقف قرن في طريقه إلا انتحى، ولا يكتب بآرائه اسم إلا تمحى، وكان لا يقدر على تجرع صبره، ولا يثبت جلد له خرائره يشتري أراقمه بليل، وتطل قشاعمه بويل، وتوكل للسلطان بالشام في خاص ماله، وسلك به سلالا ماله.
ثم عينه السلطان للوزارة فوليها، وهو كاره قد شمر الكره عرنينه وأعرق التحسم لمستقتمها حنينه، وكتب نظير ما كتب للنائب الجناب العالي، وقدر وهو بها لا يبالي،