للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأسد فريسه، ويخلد عليه خسيسه وفطن أسد الدين لمراده، وفهم قصده، فأصدر له قبل إيراده، وجمع وكلائه ونوابه، فأطلعهم على ما هجس في خاطره، ورأى من لوامع البرق النوري قبل مواطره، وقال: أقسم بالله لئن تركتموه يبلغ أم لا، ويقف له من يشكو إليه بسببنا مُحقًّا، أو مبطلًا، لأخذن ما فيه لئن تركتموه يبلغ، فلما تمت تلك الدار وجلس بها نور الدين لم يرفع إليه فيها بسبب أسد الدين قصة، ولا نفست له بالشكوى عليه غصة، فما زاد على أن قال: الحمد لله الذي جعل أهل دولتنا ينصفون من أنفسهم، ثم قام من بين جماعة، ولم يعد إلى مجلسهم.

ولما استضرب كلاب الفرنج على مصر وسائرهم الدنية، وزلزلوا صاحب القصر أركانه المبنية، أتى شاور إلى الأبواب النورية مستنجدًا، فأنجدهم بجيش قدم عليهم من شيركوه أسد الدين، فلما سكن بأهل قصر الزلزال، ودفع حكم النزال، غدر شاور وختر، وقطع مواد الجيش الأسدي، فعاد أسد الدين يرهق وجهه منه الغضب، وعاد أسر الفرنج موقع جمرهم، وكان قد فتر، فكر شاور راجعًا يستنجد نور الدين، فأنجده ببأس ذلك الأسد الضرغام، وأكرهه ليدرأ عن غيله بالإرغام، وأخرج معه كارهًا صلاح الدين أخاه لأمر أراد الله تمامه، وألقى إليه زمامه، فكان من أمر هذه الكرة ما كان، وقتل شاور وطُل دمه وهان، وخطب العاضد أسد الدين للوزارة، وقلّده طوقها، وحمله أَوْقَها، ثم لم تطل أيامه حتى دهمه ما كان يتوقعه من جماعة، وكان قد … والموت ساقيها الأسد القسورة والنقد، تقدم من حديثه نبذة في ترجمة شاور.

قال ابن شداد: كان أسد الدين كثير الأكل والمواظبة على تناول اللحوم الغليظة، متواترًا عليه التخم والخوانيق، وينجو منها بعد مقاساة شديدة عظيمة، فأخذه مرض شديد، واعتراه خانوق عظيم، فقتله يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة. ودفن بالقاهرة، ثم نقل إلى مدينة رسول الله بعد مدة بوصية منه، ولم يخلف ولدًا سوى الملك القاهر ناصر الدين محمد.

ولما مات أسد الدين، أخذ نور الدين منهم حمص في رجب سنة أربع وستين، فلما ملك صلاح الدين الشام وأعطى حمص لناصر الدين المذكور، ولم يزل ملكها حتى توفي يوم عرفة في إحدى وثمانين وخمسمائة، ونقلته زوجته بنت عمه ست الشام بنت أيوب إلى تربتها بمدرستها بدمشق بظاهر البلد، ودفنته عند أخيها شمس الدولة توران شاه بن أيوب.

وملك بعده ولد أسد الدين شيركوه، ومولده سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفي في رجب سنة سبع وثلاثين وستمائة، وكانت له أيضًا الرحبة، وتدمر، وماكسين من بلد الخابور.

وخلف جماعة من الأولاد فقام في الملك مقامه ولده الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم، ولم يزل حتى توفي في صفر سنة أربع وأربعين وستمائة بالنيرب من

<<  <  ج: ص:  >  >>