للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا تخف من غضبهم، فلا بُدَّ أنك وإياهم تصطلح، وكل أكلة تكفي سنين، واستكثر بالآلاف المبين. وقل: [من الكامل]

يا أكلةً مَنْ عاش أخبر أهله … أو مات يلقى الله وهو بَطِينُ

فإن ضاقت منك عين بخيل، وإن عجلك عن الطعام قبل امتلاء الخرطبيل، وبسط إليك أحدٌ يَدَهُ ليقتلك، أو صفعك بالخفاف ونطلك، فاحتسب مصابك، واصبر على ما أصابك، ولا تهتم بما نزل عليك، ولو نزل الماء الأسود في عينيك، وورم وجهك وخلف أذنيك، ولا تنظر هذا الخطب الجليل إلا حقيرًا، ولا هذا التعزير البليغ إلا على ما سمّى به في الأصل توقيرا، ولا يردّك هذا عن فعلك في المستقبل، واسمع من هذه الوصيّة، وأقبل ولا تستكثر حمل ألف بعير، ولا تستقل حبة خردل، واجمع جنودك على هذه الطاعة، وإن كانوا ما يجمعهم مندل، وبصرهم بشرق البشرة، وعودهم أن لا يأكلوا بالخمسة والكف دون العشرة، وافتح فمك والتهم، وأوسع بطنك واضطرب في السماط واضطرم، وانتقد على البخيل وانتقم، وافعل في هذا فعل مَنْ لا يحتشم ولا يخاف أنه ينبشم، وأبرك في المائدة وارتطم، واضرب للعجلة وجهك بيديك والتطم، وحافظ على هذا واسْتَدِم، واستمك ظهور الموائد واستنم ولو رَفَسَكَ بخفّه البعير، نزله منزلة القرص الكبير، واهجم على الرغيف ولو أنه الغريف (١)، واهجم على الفريسة كالأسد. وادخل الطعام على الطعام ولو فسد. وغالب البخلاء على أموالهم، ولا تفكر في أحد، وطالب من لا لك عنده شيء ولا يضرك من جَحَد، واضرب الجيش بالجيش، وكل السخلة والكبش، والجدي والتيس، وكبّ جموع ربيعة على مضر، ويمن على قيس، ولا يلح على مسامعك عذل عاذل، ولا يرد يدك منع بخيل ولا بذل باذل، ولا يغب عنك الماء لتسويغ الغُصص، وارفاد الطعام به بالقفص، وعليك بالعزائم وإياك والرخص واحذر كل الحذر من الكسل والتواني والقعود عن المواضع التي يُطلب إليها القراء والمغاني. فإن كل هذه المظان التي تسلّط فيها السكين على الضأن. فما كل وقت تصح وليمة، ولا كل حين يمضي عزيمة، والإنسان الشاطر، مَنْ أَكَلَ أكْلَ البهيمة، وما كلّ أوان يتبوأ الأكلُ مضيفٍ يحلّها، ولا ينعم في جنات جفان أكلها دائم وظلُّها. فلا يؤخر يوم سرور ينتظر له غدا، ولا يشيل لعشاءٍ مَنت غدا، ولا يفوّت دعوة كريم يضيف يديه في داره ويقول: وكُلا منها رغدا، ومُرْ أعوانك فليحمدوا الله الذي أطعمهم من أموال


(١) الغريف: القصباء، والحلفاء (القاموس).

<<  <  ج: ص:  >  >>