الشريفة من إنشائه، فيقرأ من النظم ومن النثر (١)، ويُعطى القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الرشيقة، ويُقْتَرحُ عليه كل عروض (٢) فيرتجله في أسرع من الطَّرْفِ، على ريق لا يَبْلَعه، ونَفَسٍ لا يقطعه، وكلامه كله عفو الساعة، وقبض اليد (٣)، ومسارقة القلم، ومجاراة الخاطر (٤).
وكان مع هذا مقبول الصورة، خفيف الروح، حسن العشرة، ناصع الظرف. عظيم الخلق، شريف النفس كريم العهد، خالص الود، حلو الصداقة، مرّ العداوة فارق همدان (٥) وهو مُقْتَبِل الشبيبة، غض الحداثة (٦)، ووافي (٧) نيسابور بها فنشر بزه، وأظهر طرزه، وأملى مقاماته وغيرها (٨)، وضمنها ماتشتهي الأنفس (٩)، من لفظ أنيق قريب المأخذ، بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع (١٠) والمقطع كسجع الحمام، ثم (١١) ألقى عصاه بهراة، فعاش بها عيشة راضية، حين بلغ أشده، واربى على أربعين سنة ناداه الله فَلَبّاهُ وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة. فقامت نوادب الأدب، وانثلم حدّ القلم (١٢)، على أنه مامات مَنْ لم يَمُت ذكره، ولقد خَلَدَ
(١) في اليتيمة: فيقرأ من النظم والنثر، ويروي من النثر والنظم. (٢) في اليتيمة: عويص وعسير من النظم والنثر فيرتجله. (٣) في اليتيمة: وفيض البديهة. (٤) في اليتيمة: ومسابقة اليد، وجَمَرَات الحِدّة، وثمرات المدّة، ومجاراة الخاطر للناظر. (٥) بعدها في اليتيمة: سنة ثمانين وثلاث مئة. (٦) بعدها في اليتمية: وقد درس على أبي الحسين بن فارس وأخذ عنه جميع ما عنده، واستنفد علمه، واستنزف بحره، وورد حضرة الصاحب أبي القاسم، فتزوّد من ثمارها وحُسن آثارها، ثم قدم جرجان وأقام بها مدة على مداخلة الاسماعيلية، والتعيش في أكنافهم والاقتباس من أنوارهم، واختص بأبي سعد محمد بن منصور أيده الله تعالى. ونَفَقَتْ بضائعه لديه، وتوفر حظه من عاداته المعروفة في إسداء المعروف والإفضال على الفضائل. (٧) في الأصل: وولي. لم يرد في مصادر ترجمته أنه ولي نيسابور، وفي اليتيمة: ولما استقرت عزيمته على قصد نيسابور أعانه على حركته، وأزاح عِلله في سفرته، فوافاه في سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة. ونشر بها بره … الخ. (٨) في اليتيمة: وأملى أربع مئة مقامة نحلها أبا الفتح الاسكندري في الكدية وغيرها. (٩) بعدها في اليتيمة: وتلذ العين. (١٠) في الاصل: رشيق القطع والمقطع. (١١) قبلها في اليتيمة كلام كثير تحدث فيه على ما حدث بين الحريري وأبي بكر الخوارزمي. ثم قال: وألقى عصاه بهراة، واتخذها دار قراره، ومجمع اسباب، إلى أن وصل إلى قوله: فعاش عيشة راضية. (١٢) بعده في اليتيمة: وفقدت عين الفضل قرتها، وجبهة الدهر غرتها، وبكاه الأفاضل مع الفضائل، ورثاه الاكارم مع المكارم.