ما حدثني به أبو المحاسن بن عبد الله الكاتب المصري، قال: سمعت محيي الدين بن عبد الظاهر، يحكي عن ابن قريش (١): أن الفاضل صحب السلطان مرةً في سَفَر، فنزلوا منزلًا، رخو الأرض، كثير الطين، وتوالى به المطر، وتعذر السلوك بين خيمة السلطان وخيمة الفاضل إلا على مَنْ يسلكه بمشقة، فأمر السلطان بنقل خيمته وأن تضرب إلى جنب خيمة الفاضل، ويفتح بينهما باب حتى لا يقطع بينهما الوحل، ولا ينزعج الفاضل عن مستقره، وكان إذا غاب عن السلطان تكاتبا، وبينهما مترجم بقلم توافقا على المصطلح عليه، فكانا يتكاتبان به ويتخاطبان على بعد الدار بلسانه، وكان القاضي الفاضل يكتب إلى سلطانه، ويشفع فيما يريد كما يشفع الصاحب إلى صاحبه، والصديق إلى صديقه، وكان يسلّم في كتبه التي يكتبها إلى السلطان على مَنْ أراد من أولاد السلطان أو إخوته وقفت له من ذلك على كتب كثيرة، منها ما هو بخط يده، ورأيت في بعضها أجوبة السلطان، وفي بعضها حروف المترجم بخط الفاضل وخط السلطان بإزائه. ورأيتُ كتابًا كتبه إلى السلطان، وسلّم فيه على ولده الملك العزيز عثمان، وقال فيه: والملك العزيز أعز الله الدين بجهاده بين يدي المولى مخصوص بتحية يفضّ لديه ختامها ويخص وفود الشوق غرامها: [من الكامل]
بتحيَّةٍ حييتُ فيها أولًا … ومن اقتفاها كان بعدي الثاني
يهدي بذي النورين لا تخطى الضحى … تسري ركائبها إلى عثمان
ورسولي إلى السلطان في إبلاغها.
والناس رسلهم إلى السلطان.
وأما ما يدل على شيء من حال أوّله، فوقفتُ بخطه على ما صورته: كانت بين والدي ﵀ وبين المرتضى الطرابلسي، متولي الديوان بعسقلان هنات ارتضعا أفاويقها ولزما مواثيقها، فصحبا بها الأعمار، وحكما فيها الأعمار، فكانت حربها سجالًا، وايامها أحوالًا إلى أن قضى الله سبحانه ان سبقه والدي إلى الحمام، وَفَزَغَتْ منه قبله الأيام، فقال لي ﵀ وقد انقطع الحبل مِنْ يدِهِ، وعلم أن يومَهُ لا يدفعه إلى غده: ما أرى فلانًا إلا سيوفيك ما أسلفته، ويقضيك الوعد الذي أخلفته،
(١) محيي الدين أبو الفضل عبد الله رشيد الدين أبي محمد عبد الظاهر بن نشوان، الجذامي المصري. من الكتاب الشعراء صاحب ديوان الانشاء للملك الظاهر بيبرس والملك المنصور قلاوون والملك الأشرف خليل. توفي بالقاهرة سنة ٦٩٢ هـ. وله: «تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور»، نشر بمصر.