فقلت: أرى أن يكاتب بكتاب يثبت فيه بخطك أسْطُرًا، وتحلب فيه من الوعظ أشطرًا، وتجعله كالوصية، فإن الذي بينكما من العداوة قد أشبه المودة لطول المدة، فقال: هيهات عناء ما وراءه غناء، ورقّةٌ ما تُحَلّ به رِبقَة، ولو أفردت الله بقصدك لكفاك، وأنت وذاك، فمثل لي هذه المعاني والأقفال وكان الحال في عدم النفع على ماقال: والرسالة: [من الطويل]
ونم بعد أخذ الثار عني فطالما … قطعت لي الدنيا وأنت مسهد
كتب العبد هذه الجملة، جعل الله لحضرة سيدنا البقاء الذي لا تَحِلُّ الغِيرُ ساحته، والأمد الذي لا يحصر العدد مساحته، وقد تقدّمها إلى محل المحاكمة، وجثا قبلها في موقف المخاصمة، ورفع الظلامة إلى من لا يجوز عليه ولا منه الأحكام الظالمة، وأسمع داعي الرحيل شفاها، ونأت به الدار وشطت نواها، ووضعت الآمال من يده عصا سراها، واستردت الأيام ما فرقته في جملة، وأشرفت به على مورد يطول بوارده النهلة، وحسن الظن بالله تعالى قد وطأ تحت جنبه مهادا، وآنسه عند النزول بلحدِهِ فرادى، وماسوى ذلك، فمتى أخذ ضيف الكريم زادا، والحمد لله الذي نقل عبده من دار فناء إلى دار بقاء، ومن محل حجية إلى محل لقاء، ومن الاقامة مع مسيء يخاف جوانبه، إلى القدوم على محسن ترجى مواهبه، وقد كان حكم القضاء سبق، وسهم القدر مَرَق بتلك الهنات التي نال فيها ونيل منه، والأغراض التي حامتْ عنها وحُمِيَتْ عنه، والدهر فيها يومان، والحرب بها طعمان، فيوم يكون له متحمّل يكون ظَفَرهُ مشبهًا بالهزيمة، ويوم يكون عليه متحمل فتكون هزيمته مشبهة بالغنيمة، هذا وقد كانت هذه الحضرة وطاعتها تعصيها، تكثر الجراح، وتناول يدها عنان الجماح، ويبقى لإيلامها فيه آثار الصفاح، فما مات حتى ماتت حقوقها، واعتل من طول الضراب حديدها، وقد بقى بعد أن رأت بعده، وتجاوزت في الحياة حده، أمران هما آخر رتبة اللوم، وأقصى غاية الملوم، وهي الشماتة، وتلك خديعة الطبع العاجز، وطليعة الخرق الخانز (١)، وبديعة لا يركبها من مركبه الجنائز، وما لجرح بميت إيلام (٢)، وتلك سبيل لست فيها بأوحد (٣)، والأخرى تتبع
(١) الخانز: المنتن. (٢) تضمين لقول المتنبي (ديوانه ص ١٦٤): [من الخفيف] من يهن يسهل الهوان عليه … مالجرح بميت إيلام (٣) تضمين لقول الوليد بن عبد الملك (التذكرة الحمدونية ٥/ ٣٧): [من الطويل] تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فتلك سبيل لست فيها بواحد