رجل الجوارح زجل، إن اخطأ هذا اصاب هذاك، وربما كان لهما استهام في تحصيله واشتراك، وإن سنح وحش، فالسهام أدنى الى وريده من قلادة جيده، فإن فات فالكلب أَعْرَفُ باختلاسه منه بكناسه، وأسرع الى احتباسه من رجع أنفاسه، وإلا فالفهد أسرع الى لحاقه من أجَلِهِ، وأَلْزَمُ لعنقه لو كان يَعْقِل من عمله، وظللنا بين قدير مُعَجَّل وقديد مؤجل [من الطويل]
نَمُشُّ بأعرافِ الجياد كفوفنا (١)
ونقري من صواف الطير وأصناف الوحش ضيوفنا، وكنا بين صيدٍ تَحَصَّلَ وآخر يترقب، وغدونا [من الطويل]
كأن عيون الوحش حول خبائنا … وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
وقد أرسلنا إليه من ذلك ما يتحقق به ان يمْنَهُ أَمَارَنا وأورى نارنا، ويستدل به على حسن ظفرنا في سفرنا وأنارة توفيقنا في طريقنا، والله تعالى لا يخلي منه مكان تأييد، ويبلغه من السعادة فوق ما يريد.
ومنه قوله:
وإن المخذولين أقبلوا كالرمال واصطفوا كالجبال، وتدفقوا كالبحار الزواخر، وتولوا كالأمواج التي لا تعرف لها الأول من الآخر، فصدّتهم جيوشنا المنصورة صدمة بددت شملهم، وعلمت الطير أكلهم، وحصرتهم في الفضاء، وطالبت أرواحهم الكافرة بدين دينها، فأسرفت في القضاء، وحصدت سيوفنا المنصورة ما يخرج عن وصف الواصف وكانوا: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ (٢)، وأحاطت بهم كتائبنا المنصورة فلم ينج منهم إلا من لا يُؤبَهُ لهم من فريقهم، وقسمتهم جيوشنا المؤيدة من الفلوات الى الفرات بين القتل والاسر، فلم يخرج عن تلك القسمة غير غريقهم، واعقبتهم تلك الكسرة ان هلك طاغيتهم أسفًا وحسرة، وحزنا على من قتل من تلك المقاتلة وأسر من تلك الأسرة، وأماته الرعب من جيوشنا المنصورة فجأة واستولى عليه الوَجَل، فجاءه من أمر الله ما جاءه.
ومنه قوله مما كتب بمال مهلك سيس:
وتبادر إلى الطاعة قبل أن نبذلها فلا تقبل، ويتمسك بأذيال العفو قبل ان يرتفع
(١) من قول امرئ القيس: نَمُشُّ بأعراف الجياد اكفنا … إذا نحن قمنا عن شواء مضهد (٢) سورة إبراهيم: ١٨.