دونه فلا تُسْبَل وتعجّل بحمل أموال القطيعة، وإلا كان أهله وأولاده في جملة من يحمل الينا، ويسلم ما عدا عليه من فتوحنا، وإلا فهو يعلم انها وجميع ما تأخر من بلاده بين أيدينا.
ومنه قوله:(١)
هذه المكاتبة الى فلان لا زال مأمونَ الغَرّة، مأمول الكرة، مجتنيًا حُلْوَ الظَّفَر من كمام تلك المَرَّة المُرَّة، راجيًا من عواقب الصبر ما يسفر له مساءً تلك المساءة عن صبح المسرّة (٢)، واثقًا من عوائد نصر الله بإعادته ومن معه في القوة والاستظهار كما بَدَأَهم أوّل مَرَّة، أصدرها وقد اتصل به نبأ ذلك المقام، الذي أوْضَحَتْ فيه السيوف عُذْرَها، وأبْدَتْ به الكماة صبرها، وأظهرت فيه الحماة من الوثبات والثباب ما يَجِبُ عليها، وَبَذَلَتْ فيه الأبطال من الجلاد جُهْدَها ولكن لم يكن الظَّفَرُ إليها، وكان عليهم الأقدام على غمرات الحرب الزبون والاصطلاء بجمرات المنون، ولم يكن عليهم إتمام ما قُدّر أنَّه لا يكون، فكابرت رقاب الأعداء في ذلك الموقف السيوف وكاثرت أعدادهم الحتوف، وتدفّقَتْ بحارهم على جداول مَنْ معَهُ، ولولا حكم القدر لا نتَصَفَتْ تلك الآحاد من تلك الألوف، فضاق بازدحام الصفوف على رحاله (٣) المجال، وزاد العدد على الجلد فلم يُفد الاقدام على الأوجال مع قدوم الآجال، وأملي للكافرين بما قدر لهم من الإنظار، وحصل لهم من الاستظهار، وعُوضوا بما لم يعرفوه من الإقدام على (٤)[ما] ألفوه من الفرار ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٥) وقد وَرَدَ أنّهم ينصرون كما ننصر، وإذا كانت الحروب سجالًا، فلا يُنْسَب إلى مَنْ كانت عليه إذا اجتَهَدَ ولم يُساعده القدر، انه قصر، مع انه قد أَشْهَرَ ما فعله في مجالِهِ من الذب عن رجاله، وما أبداه في قتاله من الضرب الذي ما تروى فيه خصمه إلا بدره بارتحاله، وأنَّ الرماح التي امتدت إليه أَخْرَسَ سيفه أَلْسِنَة أسنتها، والجياد التي أقدمت عليه جعل طعنه أكفالها مكان أعنتها [من الطويل]
فأثبت في مستنقع الموت رجله (٦)
(١) حسن التوسل ص ٣٨٥. (٢) في حسن التوسل: أن يسفر له تلك المساءة عن صبح المسرة. (٣) كذلك في حسن التوسل: ولعلها رحابه. (٤) في حسن التوسل: عما. (٥) سورة البقرة: ٢٥١. (٦) تضمين لقول أبي تمام: [من الطويل] فأثبت في مستنقع الموتِ رجله … وقال لها: من تحت اخمصك الحشر