ووقف وما في الموت شك لواقف (١) ليحمي خيله ورجله حتى تحيز أصحابه الى فئة مأمِنِهم، وأقامَ نفسه دونَهم دريئةً لمن بَدَرَ من سرعان القوم، أو ظهر من مكمنهم، وهذا هو الموقف الذي قام له مقام النصر إذ فاته النصر (٢) والمقام الذي أصيب فيه من أصحابه آحاد يدركهم أدنى العدد، فقد فيه من أعدائه مع ظهورهم الوف لا يدركهم الحصر، وكذا فليكُن قلب الجيش، كالقلب يقوى بقوته الجسد، واذا حقق (٣) اللقاء فلا يفرّ عن كناسه إلا الظبي ولا يحمي عرينه إلا الأسد، وما بقي إلا ان تعفو الكلوم وتثوب الحلوم، وتندمل الجراح وتبرأ من فلول (٤) المضارب صدور الصفاح، وتنهض لاقتضاء دين الدِّين من غُرمائه المعتدين، وتبادر الى استنجاز وعد الله، فإن الله يمحص المؤمنين ويمحق الكافرين، والليث إذا جُرح كان أشدَّ لثباته وأمد لوثباته، والموتور لا يُضطلى بناره، والثائر لا يرهب الاقدام على المنون في طلب ثاره، والدهر ذو دول، والزمان مُتَلوّن، إن دَجَتْ عليكم منه بالقهر ليلة واحدة، فقد أَشْرَقَتْ لكم فيه بالنصر ليال أول، فالمولى لا يلتفت الى ما فات، ويقبل (٥) بفكره على تدبير ما هو آت، ويُعدُّ للحرب عدّته، ويُعجّل أمَدَ الاستظهار وَمُدَّتَه، ولا يؤخر فرصة الإمكان، ولا يعد ذكر ما مضى فإنه دَخَل في خبر كان، ولا يُظهر بما جرى عجزًا، فإن العاجز من ظن انه يصيب ولا يُصاب، ولا يتخذ غير ظهر (٦) حصانه حصنًا فلا حرز أمنع من صهوة الجواد، ولا سلم أسلم من الركاب، وليعلم ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٧)، ويدرع جنّة الصبر ليكون من النصر على ثقة ومن الظفر على يقين فإنَّ ﴿اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٨)، ومن كان الله معه كانت يده الطولى، وإذا لاقى عدو الله وعدوه فليصبر بحملته فإن الصبر عند الصدمة الأولى، والله تعالى يكلؤه بعينه ويمده بعونه، ويجعل الظفر على عدوّه موقوفًا على مطالبته له بدينه.
ومنه قوله في مثله على الطريق المعتاد في ذم المهزوم (٩):
(١) حل لبيت المتنبي (ديوانه: ص ٣٨٧): [من الطويل] وقفت وما في الموت شكٍّ لواقف … كأنك في جَفْنِ الردى وهو نائم (٢) إشارة لقول أبي تمام: [من الطويل] فتى مات بين الضرب والطعن موتةً … تقوم مقام النصر إذ فاته النصر (٣) كذا في الاصل، ولعلها حق كما في حسن المحاضرة، وهي أفصح. (٤) في الاصل: قلوب، وهو تصحيف واثبت في ما في حسن التوسل. (٥) في حسن التوسل: ويقل. (٦) في حسن التوسل: ولا تتخذ ظهر حصانه. (٧) هود: ٤٩. (٨) البقرة: ١١٥. (٩) حسن التوسل: ص ٣٨٧.