وخطوطها وزواياها كيف أحاط بها سوء الدائرة، قلت عند مشاهدة تلك الحال في الحال: [من الطويل]
حريق دمشق قد بدا لعياني … ليُظهر لي عند البيان معاني
غَدَتْ نارُهُ في الجو تعلو وترتقي … كأنّ لها عند النجوم أماني
لقد ضوأ الآفاق لامع برقها … وما كلُّ برقٍ شِمْتَهُ بيماني
وقد كاد يمحو آية الليل ضوؤها … ويُبدي نهارًا بعد ذلك ثاني
ونالت عنان الجو حتى رأيتها … يصرِّفُهُ مِنْ تحتها بعنانِ
وطالت إلى نهر المجرّة في السما … لتقصد شيء الحوت والسرطان
فأبصر أهلُ النيل لما ترفعتْ … نجوم شرار في سماء دُخان
كأن دخان النار غبراءُ مُغْزِلٌ … وكلُّ شرار فيه مثل سنان
ولو لم تكن نار الأعادي لما غَدَتْ … وحِناؤها باد بكلّ بَنانِ
ولا صَبَغَتْ بالزعفران قميصها … سرورًا ولا طالت بكل لسان
قال: وما نفض الناس غبار ذلك الهدم، ولا رماد ذلك الصدع الشديد الصدم، حتى وقع بالمدرسة الأمينية حريق ثان، وَدَهَمَتْ شقراء النار دهماء الظلام، ولم يوجد لعنانها ثان، فجمعت بين عين الوداع وسين السلام، وكانت كحمى أبي الطيب، فليس تزور الا في الظلام (١)، فيا لسوق الكفت كيف باد، وفتت الأكباد، علكت النار لجمه، وكسفت نجمه، أين بأسه الشديد ومنافعه التي لا تبيد؟ سكن زبره، ورفع خبره، ويالسوق الخيم كيف ذهب، وعُدم النصر على الكافرين، فتبت يدا أبي لهب، لقد تمسكت النار بأطنابه، وتجلّد لها والنار تحت ثيابه، وأمسى وكل عمود غصنه مهصور، وكل خام وهو على البلى مقصور، كأن الشاعر قديمًا تخيل ما يحصل لها من الأوام، فقال: [من الوافر]
سُقيت الغيث ايتها الخيام
ويالسوق القسيّ كيف محي من الوجود، ونسي، ولم يبق لقوس قلبها، ولم يعطها لباريها ربها، كأنما كان للنار عند القسي أوتار، أو كأن نسخها كان محققًا فجاءهم بقلم الطومار، أو كأن امتهانها كان معلقًا بثلث الليل بعدما رقت
(١) اشارة لقول ابي الطيب المتنبي: [من الوافر]
وزائرتي كان بها حياءً … فليس تزور إلا في الظلام