للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حواشيها، ولم يقع عليها غبار، فكم قسي توفر من النار سهمها، وعظم بوهنها وهمها، واقامتها النار بعد ما كانت حنايا، وأفنت قرنها وما اختلط بعظم أو الحوايا، لم تبطش ولها أيد، ولم تهرب ولها أرجل، ولم تأنّ وهي مرنان، ولم تدفع الأذى عن نفسها، ونفثها يقتل، ولم ينبسط لها إلى الدفع قبضة، ولم تصل إلى غرض ولم ينبض لعرق وترها نبضة، وقد قال لها لسان النار: هل سمعت بهذه الحادثة في ملحمة ابن عقب؟ أو اتصل بناؤها بقوس السحاب فانتظره وارتقب، كيف غفلت عن هذه النازلة، وأنت عدة قوم قليلًا من الليل ما يهجعون؟ وكيف نمت ولا عجب لمن نعس وهو ذو قرون؟ قال: فبينما هما في المناجاة وتكرار المحاجاة إذ جاء النار خبر مالك، واشرف زهيت به الدول والممالك، فجاس خلال ضرامها، ودخل لظاها، فتلقته ببردها وسلامها، وتتبع أثرها الذي آثر اقتلاعه وافتحمها، فتعلقَتْ إذ تألقَتْ في الجو، والفرار قدام الملوك طاعة، ولم ير تلك الساعة أحد أقرب منه إليها، ولا أسلط سطا منه عليها، وثب في جهاتها مماليكه وأمراؤه، وصغار بنيه وكبراؤه، فهم قوم: [من الطويل]

إذا ركبوا زادوا المواكب بهجةً … وإن جلسوا كانوا صدور المجالس

فلم ير أسهل من خمودها، ولا أسرع من إبطال حركتها وجمودها، ونصر أعزّ الله انصار هذه الملة المحمدية، وحاز بهذه النقبة الكرامة الأحمدية، ولما رأيت مسك هذا الختام وأن الجيش تعالى وانحط القتام قلت: [من السريع]

جاء ليطفي النارَ مَنْ اسمُهُ بحر … فأخفى زندها الواري

ومن يكن بحرًا فلا غَروَ أنْ … تطغَى لظى منه بتيار

وقام في الله لدفع الأذى … مؤيدًا بالقدر الجاري

وغير بدع أن يرد الردّى … بمُرهَف الحدين بار

لأنه سيف ولم يُدّخر … إلا لخطب طارق طاري

واقتحم النار بوجه حكى … بدر الدُّجى إذ لاح للساري

فانظر إليه وهو في وسطها … تشاهد الجنة في النار

قال: ولم يزل الناس من أمر هذه النار في قلق، وحدس نفى عن عيونهم القرار، ورمى جفونهم بالأرق، وحنق يود الصبح لو تنفّس والفجر معه لو انفلق، حتى أظهر الله تعالى أن النصارى قصدوا الجامع بذلك، وتخيّلوا أن النار تلعب في جوانب دمشق: [من الطويل]

<<  <  ج: ص:  >  >>