للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما الناس إلا هالك وابن هالك (١)

وتوهموا أن فعلاتهم المذمومة تغطي مساويها الليالي الحوالك، فعل مَنْ صوّر الصور بيده وعبدها، وكفر بالوحدانية وجحدها، وعكف على الخيانة والخباثة، واعتمد على عقل أداه إلى أن الواحد تعالى ثلاثة فتهيب بعض الناس رميهم بهذا الحجر، وأعظم نسبة هذا الفعل إليهم، وفجر وخوف بانتصار الفرنج لأهل ملتهم، وإزاحة علتهم، وكشف غمتهم، والأخذ بثار رمتهم، فقال مَنْ صَدق في إيمانه وكان من انصار الأسلام وأعوانه: [من الوافر]

أعياد المسيح يخافُ صحبي … ونحنُ عبيد مَنْ خَلَقَ المسيحا (٢)

فما كان إلا أن صمّمت العزمات السيفية، وعمّت بإحسانها الشامل، حتى خلصت النفوس البريئة من هذه (البرية) وايقظت عين حزمها الراقدة: [من الرمل]

واستبدت مرة واحدة (٣)

ورسم بإمساك مَنْ أبرم هذا الأمر وحرّره، وبيت على فعله وقرره، فأقروا بما فعلوا ووجدوا ما عملوا، فَضُربوا بسياط كشطت غلظ الغلظ من جلدتهم، وأوهنت قوى شجاعتهم وَجَلدِهم، كم فيهم من أسْوَدِ اللمّة فَتَقَ جَلْدَهُ الشيب، وخط وخطه على جنبه ما كان مخبوءًا له في الغيب، وأقبل بعضهم يوبخ بعضًا فيما أشار، ويتبرم هذا إذ يتبرأ ذاك من هذه الآثار، ويتسابون فيما بينهم: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ (٤)، ولقد قلت فيهم عند التشفي والانكفاء عن عقابهم بما يكف الحنق ويكفي: [من الكامل]

حرثت جنوبهم وشقت أرضها … ليلًا فجادَ نباتها بشقيق

وأريد تاريخ الحريق فخطه … الوالي على أضلاعهم بعقيق

ولما أخذ سُحْتَ أموالهم في إيجاد ما أعدموه بفعالهم، نظر في سوء منقلبهم ومآلهم، وتمام المقابلة على تجنيس أعمالهم، وورد المرسوم الشريف بتسميرهم على الجمال وإظهار ما لهذه الملة القاهرة من هذا العز والجمال، فقضى الله تعالى فيهم أمره، وجعلهم آية لأهل الصليب وعبرة، وأخرجوا وطباع


(١) من بيت لأبي نواس وتمامه:
وما الناس إلا هالك وابن هالك … وذو نسب في الهالكين عريق
(٢) البيت لابي العلاء المعري (سقط الزند: ١/ ٢٤٦).
(٣) من قول عمر بن أبي ربيعة لمسلم بن الوليد:
واستبدت مرة واحدة … أنما العاجزُ مَنْ لا يستبد
(٤) سورة: ص: ٦٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>