إن عيني مُذْ غاب شخصُكَ عنها … يأمرُ السُّهْدُ في كَرَاهَا وَيَنْهى
بدموع كأنهنَّ الغوادي … لا تسل ماجرى على الخد منها
وقوله:[من الكامل]
أمَّلْتُ أن تتعطفوا بوصالِكُمْ … فرأيتُ مِنْ هجرانكُمْ ما لا يُرَى
وعلمت أن بعادَكُمْ لا بُدَّ أنْ … يجري له دمعي دمًا وكذا جَرَى
وجاءت شتوة، وشحت بروقها حاشية السحاب، ووشت لمم الجبال الشائبة توشية الخضاب، وهَدَرَتْ رعودها الصائلة، ووفت عهودها السائلة، وتوالت مدة لا يكشط فيها سماء، ولا يكشف بأيام الثلوج المصبحة ظلماء.
ودامت أيامًا لا تفصل فصالها عن سحائب، ولا تولد بكرة يوم إلا وهي في طفولتها شائبة النواصي والذوائب، هذا ولا تصبح صبيحة ضاحك إلا ووجه الأرض عبوس، ومعطف السماء في بوس، وقوس السحاب ترمي بقسي ما لها وتر، وغدر الثلج الصافية كالبلور وكلّها كدر، والسقوف قد أرّقها المطر فأنهرها، والطرق قد عرفها اللثق ونكرها، والبرد قد اشتدّ كَلَبُه، ولهذا غطى جمده الماء ولم يشتف حتى شرب العذب البارد ممزوجًا بمثل الدماء.
فكتبت إليه:
كيف أصبح مولانا في هذا الشتاء الذي أقبل يرعب مقدمه، ويرهب تقدّمه، ويريب اللبيب من برقه المومض تبسمه، وكيف حاله مع رعوده الصارخة وريحه النافخة، ووجوه أيامه الكالحة، وسرر لياليه التي لا تبيت منها بليلة صالحة، وسحابه وأمواجه وجليده والمشي فوق زُجاجِهِ، وتراكم مطرِهِ الحثيث، وتطاول فرع ليله الأثيث، ومواقده السود الممقوتة، وذائب جمرِهِ المحمر، وأهون بها ولو أن كل حمراء ياقوتة، وتحدر نؤيه المتصبّب، وتحيّر نجمه المتصوب، وكيف هو مع جيشه الذي ماطل حتى نصب مضارب غمامِهِ، وظلّل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه، هذا على أنّه عرى الأبنية، وحلل مما تلف ذَمُّه سالف الاشتية، فلقد جاء من البرد بما رض العظام وأنْخَرَها، ودق فخارات الأجسام وفخرها، وجَمَّدَ في الفم الريق، وعَقَدَ اللسان، إلا أنّه لسان المنطيق، ويبس الأصابع حتى كادت أغصانها توقد حطبا، وقيّد الأرجل فكانت لا تمشي إلا تتوقع عطبا، وأتى الزمهرير بجنود ما للقوي بها قبل، وحمّل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصم منه من قال سآوي إلى