للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نحن نحنو على النار حنو المرضعات على الفطيم؟ وإلى متى تبكي هذه الميازيب. بكاء الأولياء بغير حزن، إذا استولوا على مال اليتيم؟ وإلى متى هذا البرق تتلوى بطون حياته، وتتقلب حماليق العيون المحمرّة من اسود غاباته؟ وإلى متى يزمجر عتب هذه الرياح العاصفة؟ وإلى متى يرسل هذا الزمهرير أعوانًا تصبح بها حلاوة الوجوه تالفه؟ أترى هذه الأمطار تقلب من أزيار؟ ام ترى هذه المواليد تنتهي فيها الأعمار؟ كم من جليد يذوب له قلب الجليد، ويرى زجاجَهُ الشفاف أصلب من الحديد، وكم من وحل لا تمشي هريرة فيه الوحى، وكم من برد لا ينتطق فيه نوم الضحى، اللهم حوالينا ولا علينا، لقد أضجرنا تراكم الثياب، ومقاساة ما لهذه الرحمة من العذاب، وانجماع كل عن الفِهِ، وإغلاق باب القباب وتخلل الضباب زوايا البيوت والأطفال ضباب الضباب، وكل ضب منهم قد لزم باطن نَافِقَائِهِ، وقدم بين يديه الموت بدايةً بدائِهِ، قد حَسَدَ على النار من كان مذنبا وأصبح عاصيا، وتمنى أن يرى من فواكه الجمرات عنابا أو قراصيا، فإن كانت هذه الأمطار تكاثر فضائل مولانا، فيا طول ما تسفح، وإن كانت العواصف تتشبّه ببأسه فيا طول ما تلفح، وإن كانت البروق تحاكي ذهنه المتسرّع فيا طول ما تتألّق، وإن كانت قوس قزح تتلوّن خجلًا من طروسه فيا طول ما تتأنق، وإن كانت الرعود تحكي جوانح أعاديه فيا طول ماتفهق وتشهق، وإن كانت السيول تجري وراء جودِهِ، فيا طول ما تجري على طول المدى، وما تلحق، والأولى بهذا النوء الباكي أن لا يحاكي والأليق بهذا الفصل المبغض ألا يتعرض، ورحم الله من عرف قدره، وكفى الناس شرّه، وتحقق أن مولانا في هذا الوجود ندرة.

فأجبته:

وقف لمواقع القلم الشريف، ووقف عليه، وتيمن لمجرد إقباله إليه، وقبله لقرب عهده بيديه وعده، لجلاء المرّة لما أمره على عينيه، لا برح الشهد من جنى ريقه المعلل، والطرب بكأس رحيقه المحلل، والتيه وحاشاه منه في سلوك طريقه المذلل، والجهد ولو كلف لا يجيء بمثل سيره المذلل، والسحاب لا يطير إلا بجناح كرمه المبلل، والروض لا يبرز إلا في ثوب زخرفه المجلل، والبرق لا يهتز إلا في مثل ردائه المشلل، والنصر يفضي لمواضيه على حدّ حسامه المفلل، والفجر لولا بيانه الوضاح لما أرشَدَ دليلَهُ المضلل، والبحر لولا ما عرف من عُبابه الزاخر لما ذمّ على غزر المادة نواله المقلّل، والفخر لو شمخ بأنفه لا ينافس عقده الموشح، ولا يتطاول إلى تاجه المكلّل، وفهمه فهام، وعلمه فزاد صقال الافهام، وقصر عن معرفته فما شك أنه الهام، وانتهى في الجواب إلى وصف أنواء تلك الليلة الماطرة، وما

<<  <  ج: ص:  >  >>