للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مُوهَتْ به السحب من ذهب برقها، وقتلته الأنواء من خيوط ودقها، ونفخت فيه الرياح من حجر كانونها، وأظهرت حقيقته الرعود من سرّ مكنونها، وما تبثه عارضة ذلك العارض الممطر الذي هو أقوى من شآبيبها، وأوقى مما أرقته (١) السماء من جلابيبها، وأسرى من برقها المومض في غرابيبها، وأسرع من سرى رياحها، وقد جمعت أطواق السحب وأخذت بتلابيبها، وسبح المملوك من عجب لهذه البلاغة التي كملت الفضائل، وفَضَلَتْ عن العلم، وفي الرعيل الأول علم الأوائل، وفَضَّلَتْ مبدعها، وحق له التفضيل، وآيته جملة الفضل وفي ضمنها التفضيل، وأنطقت لسان بيانه، واخْرَستْ كل لسان، وأَجْرَتْ قلم كرمِهِ، وأحرزت كل إحسان، ونشرت علم علمه، وأدْخَلَتْ تحته كل فاضل، وارهفت شباحَدِّهِ، وقطعت به كل مناظر وكل مناضل، وقالت للسحاب، إليك وقد طبق إليك، فإن البحر ود جاءك، وللنوء وقد اغدق، تنع فإن الطوفان قد ضيّق أرجاءك، وللرعد وقد صرخ أسكت، فقد آن لهذه الشقائق أن تسكت وللبرق وقد نسخ آية الليل استدرك غَلَطَكَ لئلا تبكت، أما ترى هذه العلوم الجمة وقد زخرفها وأثر في الألباب سحرها، وهذه الفضائل كيف تَفَنَّنَتْ فنونها، وفَتَنَتْ عيونها، وتهدّلَتْ بالثمرات أفنانها، وتزخرفت بالمحاسن جنانها، وهذه الألمعية، وكيف ذهبت الأصائل، وهذه اللوذعية وما أبقت مقالًا لقائل، وهذه البراعة التي فاضت، وكل منها سكران طافح، وهذه الفصاحة، وما غادرت بين الجوانح، وهذه البلاغة التي سالت بأعناق المطي بها الأباطح (٢)، وهذه الحكم البوالغ، وهذه النعم السوابغ، وهذه الهمم التي ترقت بتوجهها إلى السماء، فكشفت غيابة عارضها، وكفت غواية البرق وقَدْ وَلَع خط مشيبه بخط عارضها حتى جلاها وأضحاها، ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)(٣)، وجلا صدأ تلك الليلة عن صفحة ذلك اليوم المشمس، وبدل بذلك الصحو المطبع من ذلك الغيم المؤنس، وأترع غدير ذلك النهار خالصًا من الرنق، وضوّع غير ذلك الثرى خاليًا من اللثق، وأطلع شمس ذلك اليوم يوشع جانب مشرقها، ويوشي بذائب الذهب وراء أفقها، كما قلت: [من السريع]


(١) كذا في الاصل، ولعله اراد: أرَقَّتْهُ.
(٢) من قول الشاعر:
ولما قضينا من مني كل حاجة … ومسخ بالاركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الاحاديث بيننا … وسالت بأعناق المطي الاباطح
(٣) سورة النازعات: ٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>