وأما الخطابة فبالشرق منشؤها، ومنه منشؤها، وبه نصبت منابرها، وخطبت أكابرها، لا يعرف لأمة قبل العرب قيل الخطب، إلا أنه كان في بعض الأمم كالفرس والروم متكلم إلا أنه لا يقوم ولا ينتصب خطيبًا. إذا تكلّم سكت الناس، وإذا صعد نكس كلّ راس، وإذا سلم هذا فما أشرق عيدان المنابر بالمشرق وأورق، حيث العرب وفارس وجمهور الروم، وحيث الخطب تنشأ والخطباء تقوم. فأما المغرب، فبلاد بربر لا يعرف فيها خطيب ولا منبر، إلا أن ركزت رايات الإسلام في مراكزها، ثم تكلمت قالتها باستفادة التعلم بغرائزها، وقد قدمنا في أول هذه المفاضلة ما يقرع في سهام المناضلة، وها أنا أذكر من خطباء الجانبين ما يعرف به قدر كلامهم السائر في الوجود، وسهامهم التي تشق القلوب قبل الجلود، وأبدأ بالمشرق كشأننا فيما تقدم، وأقول الحق ولا أتندم.