﵂ نَوْبَةَ الإِفْكِ، وَأَذْكَرَتْهُ هَذِهِ القَضِيَّةُ تِلْكَ القَضِيَّةَ، وَتَمَّتِ الأُمُورُ بِحَمْدِ اللَّهِ على أَكْمَل الوُجُوهِ المَرْضِيَّةِ.
اللَّهُمَّ ما أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لا شريكَ لَكَ، اعتقادًا هو الذي لم نَزَلْ نَرْجِعُ إِليهِ، وَنَنْجَعُ ولا نُعَرِّجُ إِلا عليه، ونَهْجَعُ ثم نَنْتَبِهُ بِتَذكيره، ونُفْجَعُ ثم نُسَرُّ بِمَقادِيْرِهِ، ولم يَبْقَ بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يُصْرَفَ إِليهِ وَجْهُ السُّرى، ويُصْدَفَ فِي طَلَبِ السُّرْعَةِ المَقْدوم عليه عائِقُ الكَرى، ويُسْعِفَ اللقاءُ بِهِ وَبِالْأَوْطَانِ، وَيُنْصِفَ الزَّمَنُ الجائِرُ بِلُطْفِ اللهِ وعَدَّلِ السُّلطانِ، ويُتْحِفَ القَدَرُ بِجَمْعِ الشَّمْلِ، وَيَعْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ نَزْعَةً من نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ؛ ومَولانا يَعذرُ في التَّقصير، فَما هو وَقْتُ الإِطالة، وهذا كثيرٌ على الرَّاكِبِ المُجِد في ما يُقَدَّمُ لَهُ من العُجالة.
فكتبتُ أَنا الجواب إليه عن ذلك: [من السريع]
وَنِعْمَةٍ جَاءَتْ كَمَا نَشْتَهِي … مِنْ عِنْدِ رَبِّ العَرْشِ مَسْراها
أَتَتْ وقد جَرَّتْ ذُيول الهنا … بِأَيِّ شُكْرٍ نَتَلَقَّاها
رَوَتْ فَرَوَّتْ أَنْفُسًا تَلْتَظي … مِنْ حَذَر قد كانَ عَنَّاها
فَالحَمْدُ للهِ على أنَّنا … نَحْمَدُ أُولاها وأُخراها
فاللُّطْفُ في مَبْدَئِها كامِنٌ … والسَّعْدُ في مَضْمُونِ عُقْباها
فَقُلْ لِمَنْ قَدْ وَلِعَتْ بالمُنى … مُهْجَتُهُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ
إِنَّكَ إِنْ أَبْصَرْتَها مَرَّةً … أَكْبَرْتَها أَنْ تَتَمَنَّاها
يُقَبِّلُ الأَرْضَ أَوَّلًا على هذِهِ النِّعْمَةِ شُكْرًا، وثانيًا على عادَةِ خِدَمِهِ مُسْتَمِرًا، وثالثًا ورابعًا وخامسًا وهَلُمَّ جَرًَّا، حَتَّى يَسْتَغْرِقَ الواوَ العَطْفُ ويَنْفَدَ فِي السَّجَعِ حَرْفَ الرَّا.
ويُنهي ورود المثال الكريم، الذي كانَ أمانًا من الحَذَرِ، وَمُخَلِّصًا لِقَلْبِ المُحِبِّ الذي افْتَتَحَ الحُزْنَ واخْتَتَمَهُ وما شَعَرَ، وبَراءَةً من الخَطْبِ الذي لو عالَجَهُ اللَّيْلُ لا نُصَدَعَ أَوْ الصُّبْحُ لانْفَجَرَ، وفَكًَّا لأَنْفُسِ الأَوْلِياءِ من الجَزَعِ الذي لو حَلَّ بِالجِبالِ حَجَّرَ فِي الصَّبْرِ على الحَجَرِ، وشَدْوًا لأَصْواتِ البَلاغَةِ التي مَنْ لم يَطْرَبْ لَها قُلْنَا لَهُ ما قَالَتْهُ النِّسْوَةُ من قُريش: (١) أَنْتَ أَغْلَظُ وَأَفَةٌ يَا عُمَرُ: [من الطويل]
أَلَيْسَ لأَخْبَارِ الأَحِبَّةِ فَرْحَةٌ … ولا فَرْحَةَ العَطْشَانِ فَاجَأَهُ القَطْرُ
فَقَبَّلَ المَملوكُ شَفَتيْ عُنوانِهِ، وتَخَيَّلَ لَعَسَ مِدادِهِما إِثْمِدًا فَكَحَلَ بِهِ رَمَدَ أَجْفانِهِ،
(١) من حديث أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ٩٦ و ١٩٩ و ٧/ ٩٣ ومسلم (٢٣٩٦) وأحمد في مسنده ١/ ١٧١ و ١٨٢.